2009-10-14
هذه حكاية أول تهديد بالقتل تلقيته.
قال لي في رسالة وردتني بالبريد الإلكتروني مكتوبة بالعربية بأنه إن صادف ورآني يوماً أسير في أي مكان، فإنه سوف يقتلني. وترجم عبارة القتل إلى الإنجليزية للتوضيح.
اتصل بي أصدقائي الحقيقيون وأصدقائي في موقع «فيسبوك» ليحذروني قبل وصول التهديد لي في غرفة الفندق بمدينة آرهوس الدانماركية -وسأوضح الدلالة المكانية لاحقا- محذرينني من أمر سيئ ربما له صلة هامشية بالدانمارك.
قامت وحدة مختصة بالجرائم الإلكترونية بتتبع مصدر الرسالة الإلكترونية الذي تبين كونه خارج مدينة القاهرة. أنا لست قلقة كثيرا بشأنه فقبل استلام تهديده، سألوني مراراً إن كنت قد هُددت بالقتل من قبل، وكان جوابي دائما بالنفي.
إن ما يقلقني أكثر هو أن يزعم البعض أني قد اختلقت قصة التهديد جريا وراء الشهرة والاهتمام. أطلب منهم أن يقرأوا تعليقات القراء التي تنشر كما هي دون تعديل والتي تنطوي على أبشع أنواع التحريض والكراهية. فذلك الرجل في مدينة الجيزة هو رأس الجبل الجليدي.
أنا أعارض كل أشكال الرقابة على الإنترنت. فجيل «فيسبوك» الذي يستخدم المدونات ليعبر عن أفكاره بطريقة غير مسبوقة ويتحدى السلطات يفهم ذلك. فالمجالات الإعلامية المخصصة للتعبير عن الآراء والتعليقات الشخصية تعج بالمقولات غير العقلانية، وليس الشرق الأوسط بأفضل من ذلك. ولكن حين تسمح مدونات الأخبار بمرور تهديدات القتل دون تدخل فهذا أيضا ضرب من الجنون.
فقبل وصول رسالة التهديد بيوم واحد كنت قد نشرت عمود رأي في صحيفة «واشنطن بوست» حول قرار جامعة «ييل» الأميركية سحب صور الكارتون الخاصة بالرسول محمد وكافة الصور من أول كتاب أكاديمي حول أزمة الصور الدانماركية تلك، والذي سينشر في شهر نوفمبر القادم.
لم أجد في تلك الصور إساءة، ولكني أعلم أن العديد من المسلمين اعتبروا تلك الصور إساءة ومن ضمنهم والدتي التي عقدت اتفاقاً معها بتجنب مناقشة الموضوع. وفي مقالتي تلك وصفت مطبعة جامعة «ييل» بالجبانة والخنوع لإرادة المتطرفين في الجانبين: الطرف غير المسلم الذي استغل الأمر لإذكاء الكراهية ضد المهاجرين في الدانمارك والطرف المسلم الذي استغل الأمر لإسكات صوت المسلمين المعتدلين وإذكاء خطاب الكراهية ضد الغرب.
وبدلاً من شرح مضمون مقالتي، أطلب منكم الاطلاع على موقعي ومدونتي في الإنترنت، وأكتفي بالقول بأني قدمت جدلا مميزا في موضوع بالغ الحساسية، والذي لم يكن يوما بالسهولة المطروحة في عنوان مثل: «صحيفة دانماركية تنشر صورا كارتونية والعالم الإسلامي جن جنونه».
على الأقل مرت أربعة أشهر دون حدوث شيء بين تاريخ نشر الصور في نهاية سبتمبر عام 2005 في صحيفة جايلاندز- بوستن (الدانماركية) والمظاهرات العنيفة التي راح ضحيتها 200 مسلم في الأقل عام 2006. وفي الفترة الواقعة بين التاريخين جرى استغلال سياسي وديني واسع حيث تنافس الحكام والإسلاميون في التعبير عن حدة الغضب والغليان الذي خرج عن نطاق السيطرة.
كما سقط الجدل الذي تضمنته مقالتي بين العمود المكتوب باللغة الإنجليزية وترجمة عربية لها أكاد أسميها بترجمة صفراء قدمتها جهة إخبارية تسمى: «أميركا باللغة العربية» التي التقطت الأجزاء الأكثر إثارة للجدل من مقالتي وترجمتها إلى العربية لمستخدميها في العالم العربي.
لماذا اهتمت تلك الجهة بتضمين الجزء الخاص من مقالتي الذي يوضح أن المؤلف الدانماركي لكتاب «الصور الكارتونية التي هزت العالم» إنما أراد تضمين الصور الكارتونية ليس لأسباب الإثارة الحسية بل لتشبيهها من حيث الشكل بالصور الكارتونية المناهضة للسامية في أوروبا في ثلاثينيات القرن العشرين؟
وكأن ما فعلته تلك الجهة الإخبارية (أميركا باللغة العربية) لم يكن مثيراً بدرجة كافية، فأضافت عبارة تقول بأنه من الجدير بالذكر أن قرار جامعة ييل بسحب تلك الصور من الكتاب قد لقي معارضة من اللجنة اليهودية الأميركية التي تعد «واحدة من أبرز اللوبيات المؤيدة لإسرائيل». كان هذا الخبر الذي نشروه، وهكذا هي إسهاماتهم الصحفية. الآن تصور وجود ذلك الخبر في مواقع الإنترنت الإخبارية مع التعليقات المضافة على حالها.
لقد كانت بعض التعليقات من السوء بحيث أرسل بعض الناس، الذين لم يسبق أن التقيتهم من المتابعين لكتاباتي في مدونة فيسبوك، رسائل شكوى إلى تلك المواقع. أنا كتبت إليهم أيضا لأخبرهم بأن المقالة المقتبسة من «أميركا باللغة العربية» قد تسببت في إرسال تهديد لي بالقتل. ولاحقا اكتشفت وجود تهديدات أخرى في موقعهم، من ضمنها تهديد من امرأة تقول بأنها تتمنى قتلي بيديها، بينما طالب آخرون من الجهات الدينية اعتباري مرتدة وخارجة على الإسلام.
أجابني أحدهم من ذلك الموقع ليخبرني بأنهم ينظرون في شكواي وأنهم ليسوا الموقع الوحيد الذي اقتبس مقالة «أميركا باللغة العربية» ونشرها.
أما عن ذلك المكان في الدانمارك، أي مدينة آرهوس، فإن فيه صحيفة جايلاندز-بوستن التي نشرت الصور. وركبت الصحف الدانماركية الموجة أيضا متسائلة إن كنت شعر بالخوف والقلق؟ جئت إلى آرهوس لأتحدث في مهرجان الفنون.
تابعت عدسات قنوات التلفاز خطاي، ودليلي السياحي. كلا، لم أخف- ها أنا أسير علناً في مدينة آرهوس.
مازحني الصحفي الدانماركي مارتن كراسنك الذي أجرى مقابلة معي أثناء إحدى الفعاليات قائلاً بأن مهرجان آرهوس قد بعث لي بالتهديد.
يستمتع المرء بالراحة المرحة حيث يجدها.
وبعد فترة وجيزة من عودتي من الدانمارك، اخترق أحد الأتراك موقعي ومدونتي في شبكة الإنترنت ليكتب: «فعلت هذا من أجل الإسلام».
وردي هو: لكن هذا ليس بإسلامي أنا.