2009-10-19
يبدو أن التحرك الرسمي والشعبي الفلسطيني والعربي والدولي حول الموقف من تقرير القاضي «غولدستون» حول الجرائم التي ارتكبتها «إسرائيل» في عدوانها على غزة قد آتى ثماره، فبعد إعادة عرض التقرير على مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة صوتت 25 دولة لصالح التقرير، بينما عارضته 6 دول وامتنعت 11 دولة، رغم مطالبة بعض الدول الأوروبية وعلى رأسها فرنسا بتأجيل التصويت لـ «مزيد من المشاورات» أو بتعبير أدق لمزيد من الضغط على الدول الأعضاء لتغيير موقفها، وهو الأمر الذي كان متوقعا بعد سحب التقرير وتأجيل التصويت عليه في المرة الأولى بناءً على طلب السلطة الفلسطينية، وقد كشفت المناقشات تضامنا دوليا مع التقرير الذي فضح جرائم «إسرائيل» في عدوانها على غزة، والتي أدت إلى قتل ما يزيد على 1400 فلسطيني من المدنيين، كما جرحت الآلاف منهم، وقد كشف التقرير أن «إسرائيل فرضت على القطاع حصارا قد يُعد عقابا جماعيا، كما سلكت سياسة عزل وحرمان ممنهجة، وأثناء الحملة العسكرية الإسرائيلية تعرضت دُور ومصانع وآبار ومدارس ومستشفيات ومراكز شرطة ومبان عامة أخرى للتدمير.. كما لقي أكثر من 1400 شخص حتفهم، كما أن الحملة العسكرية الإسرائيلية كانت ضد كل الشعب «الفلسطيني» في غزة، في سياق سياسة عامة ومتواصلة هدفها معاقبة سكان غزة، وترسيخا لسياسة القوة غير المتناسبة ضد المدنيين في غزة. إن تدمير مصادر الغذاء، ومنظومات الصرف الصحي، ومصانع الخرسانة، ومقرات السكن كان نتيجة سياسة متعمدة وممنهجة جعلت من العيش، والحياة بكرامة، أصعب بالنسبة للمدنيين»، ويشدد التقرير على أن «معظم الحالات التي خضعت لتحقيق البعثة، والتي فصل فيها، تنطوي على أدلة تشير إلى أن ما تسببت فيه العملية العسكرية الإسرائيلية من موت ودمار كان نتيجة انتهاك لمبدأ أساسي في القانون الدولي يدعو إلى التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين والمنشآت المدنية في كل الأوقات».
ورغم الحقائق الدامغة التي تضمنها التقرير فإن المندوب الأميركي دوغلاس غريفيث في مجلس حقوق الإنسان لم يكتف بالتصويت ضد القرار لكنه صدم المجلس والمجتمع الدولي بـ «خطبة عصماء» حول «حقوق إسرائيل» وتبرير جرائمها ضد الأبرياء في غزة وفي غيرها من الأراضي الفلسطينية، بل حاول تغيير وحذف البند المتعلق بما تتعرض له مدينة القدس والمسجد الأقصى من تهويد، والقول بتأثير التقرير على عملية السلام، وكأن هذه العملية متوقفة على إجازة التقرير أو سحبه، ولذا لم يتردد المندوب الأميركي في القول إن «القرار يتخطى تقرير غولدستون، ليصل إلى نقاش لقضايا يجب حلها في إطار مفاوضات الوضع الدائم بين الفلسطينيين وإسرائيل.. نحن نركز جهودنا باتجاه المضي قدماً في عملية السلام، ونشعر بالإرباك نتيجة لهذا (التصويت)، إن التقرير غير عادل وغير منصف لإسرائيل، ولا يساعد في عملية السلام.. قد عملنا من أجل إصدار قرار يعترف بحق دولة في القيام بعمل مشروع لحماية مواطنيها في مواجهة تهديدات على أمنهم»!!
إن هذا الموقف الأميركي ينبئ عن المسارات التي يمكن أن ينتهي إليها التقرير، فوفقا للنظام المتبع فإن على الأمين العام للأمم المتحدة إحالة التقرير إلى مجلس الأمن، وإذا سارت الإجراءات كما أوصى التقرير فإنه يتوجب على الفلسطينيين و «إسرائيل» خلال مهلة ستة أشهر القيام بتحقيقات مستقلة في الانتهاكات. وفي حالة عدم قيامهم بذلك، فإن التقرير يدعو مجلس الأمن لاستخدام سلطاته بموجب الفصل السابع وتحويل الاتهامات الواردة في التقرير إلى محكمة الجنايات الدولية، لكن يبدو أن الأمر لن يصل إلى هذا الحد فأميركا التي اعترضت التقرير لن تتردد في استخدام حق النقض (الفيتو) في وقف هذا المسار، وستكون الحجج جاهزة، إذ سيكون المبرر هو تأثير التقرير على عملية السلام وبخاصة مع المشروع المنتظر أن يصدره الرئيس الأميركي باراك أوباما ويحاول مندوبه في الشرق الأوسط جورج ميتشل التمهيد له بجولاته واتصالاته بالمنطقة، ولكن هذا الموقف سيلقي بظلاله على مجمل قضايا السلام في المنطقة، فاستخدام حق النقض (الفيتو) قد غاب عن أروقة الأمم المتحدة منذ فترة من الزمن، فأيٍ من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن والتي تملك حق النقض (الفيتو) لم تستخدم هذا الحق منذ فترة من الزمن، مما يجعل استدعاءه في هذا الوقت محرجا للولايات المتحدة، وهي التي ترفع شعارات السلام و «تنظيف» العالم من الأسلحة النووية، وتغليب الدبلوماسية على الأعمال الحربية، وهي الشعارات التي رفعها أوباما منذ مجيئه إلى البيت الأبيض، كما أن التصويت بالفيتو ضد القرار سيضر بمصداقية أوباما ورسائله إلى العالم الإسلامي، وبخاصة أن التقرير قد حظي باهتمام عالمي، وبموافقة كبيرة من أعضاء مجلس حقوق الإنسان الدولي، وسيضع أميركا في مواجهة هذه الدول، ولهذا سعت أميركا و «إسرائيل» إلى عدم تمريره من المجلس حتى لا تضطر لهذا الموقف، وهو ما تم حين سُحب في المرة الأولى.
ومع كل ذلك فإن التقرير لن يتجاوز مجلس الأمن بسبب (الفيتو) الأميركي، مما سيضعف مجلس الأمن كذلك، وبخاصة أنه قد مرر تقارير مشابهة لتقرير غولدستون، وهي التقارير المتعلقة بجرائم الحرب في رواندا، ويوغسلافيا السابقة وأخيراً الاتهامات الموجهة للسودان فيما يتعلق بقضية دارفور، فكيف سيتقبل المجتمع الدولي موقف مجلس الأمن والأمم المتحدة من تقرير جرائم «إسرائيل» في غزة؟!! لقد كانت بعض خطب زعماء الدول خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تشكك في مصداقية المجلس والأمم المتحدة عموما، والموقف من هذا التقرير سيؤكد مدى مصداقية هذا الآراء.
وإذا كان هذا هو الأثر الرسمي الذي تركه التقرير، فإن تأثيره على شعوب العالم أكبر من ذلك فقد أعاد الثقة بأن المجرمين لن يكونوا موضع حماية أو ترحيب، وأن عليهم أن يفكروا قبل قيامهم بجرائمهم، حتى ولو لم يتم النيل منهم هذه المرة، كما أعاد تسليط الضوء على ما يدور في الأراضي الفلسطينية، وبخاصة في غزة، وما تتعرض له من حصار وتجويع يخالف كل المعتقدات الدينية والقيم الأخلاقية، وقد آن الأوان لرفع هذه المعاناة عن هؤلاء المظلومين.
*كاتب من الإمارات