2009-12-29
كان ذلك عند نهاية محاضرة ألقيتها على مدى ثلاث ساعات عن النساء والحركات الإسلامية. لماذا تنضم أعداد من النساء إلى مثل هذه الحركات التي تحرمهن من مواقع النفوذ؟ لماذا تقول امرأة انضمت إلى تلك الحركات لأحد الباحثين: «نحن لا نريد المساواة بل نريد العدل»؟
لماذا ترفض غالبية النساء المنضمات لحركة أخرى، مطالبة أخواتهن بأن يحصلن على مواقع نفوذ وصنع القرار؟
والأكثر إثارة للقلق: لماذا تتطوع النساء لتفجير أنفسهن من أجل الحركات الإسلامية التي تكره النساء أكثر من كرهها للجماعات المناهضة لها؟ ولماذا تسبب الانتحاريات صدمة أكبر لدى الناس؟ أليس بديهيا الاعتقاد بأن النساء أكثر لطفاً وأقل عنفاً من الرجال؟ لقد أفرغت كل ما في جعبتي وقلت ما لديّ حسب علمي فتلك هي المسائل التي تهمني ليس كأكاديمية أو كاتبة عمود صحافي فحسب، بل تهمني شخصيا أيضا كامرأة مسلمة وناشطة نسائية. وكانت كل محاضرة هناك رحلة فلسفية تبهجنا وتنهكنا، أنا وطالباتي بعد مناقشات مكثفة.
ومرة بينما كنت ألملم أوراقي وأريح ظهري في نهاية المحاضرة، اشتركت واحدة من الطالبات الآسيويات بسرد واقعة جعلتني راغبة في حَضنها. أخبرتني بأنه خلال عملها كمنتجة تلفزيونية في بلدها، كان زملاؤها في العمل قد قرروا القيام بإضراب عن العمل وحلق رؤؤسهم تعبيراً عن موقفهم في ذلك النزاع.
قالت: «فكرت في الأمر وأدركت أن الرجال لا يفقهون معنى الشعر بالنسبة للمرأة، فخلال شهر سينمو شعر الرجال ويستعيدون شكلهم ولكن الأمر مختلف تماما بالنسبة للنساء. فرفضت حلاقة رأسي وكنت الوحيدة التي رفضت ذلك، وتعرضت للكثير من الضغوط ولكني رفضت ذلك».
من الواضح أنني كنت أتعلم مثلما كنت أقوم بتعليم الغير.
المكان: جامعة السلام التابعة للأمم المتحدة
الصف: «النساء والإعلام الجديد في الشرق الأوسط» وهو ما كنت أدرسه للطالبات وهن من 14 دولة مختلفة.
البلد: كوستاريكا، وهي أول دولة قامت بإلغاء القوات المسلحة عام 1948. (تصوروا! نحن جميعاً نعلم ما كان يحدث في الشرق الأوسط عام 1948!)
كانت الموضوعات ترافقنا إلى حيث نقيم. وكانت الطالبات يتحدثن إلي عن ساعات من الجدال والمناظرات التي كن يخضنها بصورة مباشرة، (ذات العلاقة بمادة المحاضرة الخاصة بقنوات التعبير غير المسبوقة التي وفرها الإعلام للنساء في الشرق الأوسط)، وعبر مدونة فيسبوك.
إن قضاء سنة إلى جانب طلبة من أكثر من 70 دولة يجلب العالم إليك. نعم إنها تجربة مثيرة ولكنها أيضاً تذكرك كم يمكن أن يكون ذلك العالم محبطا ومجهولا.
عندما تصادفك لأول مرة أفكار وأيديولوجيات عزلتك عنها دولتك، وحين تكون جالسا في غرفة بالقرب من شخص لم يسبق أن كنت على تماس مع قيمه -إما لكونك محافظا وزميلك في الغرفة يتحدث عن معنى أن يكون المرء ثنائي الجنس، أو لأنك متحرر ويعتقد زميلك في الغرفة بأن الشذوذ الجنسي سلوك غير طبيعي- فإن ما يحدث في هذه الحالة ليس بأقل من عملية تفاعل وتحول عميق: لن تكون الأمور كما كانت عليه من قبل.
سافرت مع أسرتي حين كنت طفلة وغادرنا مصر وأنا في السابعة من عمري ولم أعد إليها إلا وأنا في الـ 21. ورحلاتي قبل ذلك كانت رحلة فكرية ليس في صفوف طلبتها من 14 دولة، بل رحلات بين أغلفة كتب وهبتني المتعة والخوف من الأفكار الجديدة التي ساعدتني على تفكيك ذاتي «منى» وتركيبها.
كانت أصغر طالباتي عمرا في سن 22 عاما وأكبرهن 33 عاما. وكانت عملية تفكيكهن وتركيبهن من جديد تجري أمام ناظري.
عملية تعليمي في جامعة السلام للأمم المتحدة تواصلت في محل إقامتي أيضا، في الفندق الذي كنت أنا وأساتذة آخرون نقيم فيه خلال فترة تدريس المساق. تصوروا الامتياز الذي حظيت به وهو تناول العشاء مع أحد أبرز الباحثين والمربين الدوليين في ميدان الصراعات اللاعنيفة؟ فحين كانت طالبة شابة، عملت ميري أي كنغ إلى جانب الناشط طيب الذكر الدكتور مارتن لوثر كينغ (ليست قريبة له) ضمن حركة الحقوق المدنية الأميركية، وها هي هنا، صاحبة المؤلفات العديدة مثل «أغنية الحرية: قصة ذاتية عن حركة الحقوق المدنية لفترة الستينيات»، وهي تشجعني للمضي قدما بقولها إنه يتوجب علي تأليف كتاب.
وفي المائدة المجاورة يجلس زميل وعضو تدريسي آخر هو: جان برونك والذي أمضى قرابة 40 سنة كسياسي ودبلوماسي هولندي، من ضمنها تعيينه وزيرا أربع مرات في الحكومات الهولندية، كما عمل لسنتين ممثلا خاصا للسكرتير العام للأمم المتحدة ورئيسا لبعثة الأمم المتحدة في السودان قبل أن يطلب الرئيس السوداني عمر البشير منه مغادرة السودان (وهو ما يعتبر وسام شرف على صدره) بعد أن انتقد برونك صفقة بين الحكومة السودانية وجماعة متمردة في إقليم دارفور.
لقد حظيت الطالبات بخبرة عقود من السنين من أساتذة مثل ميري كنغ وبرونك، وحظيت أنا بالغداء مع كليهما.
ولكني عانيت من مشكلة. فمشهد طالبات ينقلبن ويتجددن، وأساتذة لا مثيل لهم، ناهيك عن كوستاريكا -البلد الأجمل الذي رأيته في حياتي- كل هذا، وكل نظرة إلى مشهد الوادي المذهل المسمى «سنترال فالي» الممتد أمام الحرم الجامعي جعلني أشعر بأنني سأفقد غضب أو زخم الكتابة إن مكثت هناك لفترة أطول، إذ من المستحيل أن يغضب المرء هناك من أي شيء، ولهذا ومن أجل كتاباتي، قررت الرحيل.