2010-01-24
لم يعد الحديث عن النمو الاقتصادي المصحوب بالفقر والتهميش والبطالة اكتشافا جديدا، فالدراسات والكتب وتقارير المنظمات الدولية مثل البنك الدولي والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة (UNDP) تبدو مشغولة بهذه القضية منذ عقدين من الزمان، فرغم التقدم الاقتصادي ونمو النواتج المحلية والقومية للدول فإن نسبة الفقر والبطالة وتراجع مستوى المعيشة والتنمية البشرية تتزايد في الوقت نفسه، لتنشأ حالة جديدة ومرعبة تنذر بانهيارات وثورات اجتماعية وسياسية ربما لن تكون مختلفة في راديكاليتها وآثارها عن الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر.
لكن الحديث عن الإصلاح والبديل يبدو غامضا، وغير ناضج، جماعات مناهضة العولمة والمنتدى الاجتماعي العالمي رغم أنها استقطبت تأييد الملايين وأنشأت شبكة من العمل لمواجهة «العولمة الاقتصادية الليبرالية» لكنها تبدو أقرب إلى الاحتجاج أكثر مما هي عولمة بديلة، والحكومات تبدو متجهة للانحياز والتبعية للطبقة الجديدة من رجال الأعمال والشركات العملاقة، والمجتمعات لم تدرك بعد أبعاد الأزمة على خطورتها وتداعياتها العميقة، والوعي المجتمعي وفي معظم الأحيان النخبوي يأتي متخلفا عن الواقع، ولذلك فإنه يتخذ طابع الفجيعة والتطرف.
كتب الوزير الأردني الأسبق للصناعة والتجارة سامر الطويل عن حالة خلل خطيرة في الاقتصاد الأردني وربما تكون حالة يمكن تعميمها في الاقتصاد العالمي، وهي أن قطاع البنوك والاتصالات
يستحوذ على %80 من الاقتصاد الأردني لكنهما لا يشغلان سوى نسبة ضئيلة لا تُذكر من القوى العاملة الأردنية، وهو مثال صارخ ويمكن أن نجد عشرات الحالات والأمثلة الأخرى المشابهة والتي تعبر عن فجوة هائلة تتشكل في المجتمع وتنذر بالخطر، ويجب أن نؤكد مرة أخرى أنها مشكلة عالمية لا تكاد تستثنى منها دولة، ويعتبرها بريجنسكي من أهم التحديات العالمية التي يجب أن تتصدى لها الولايات المتحدة بصفتها قائدة العالم، ولكن المشكلة أن الولايات المتحدة هي المسؤولة
عن هذه الحالة الخطيرة، بل وتحميها وتفرضها على العالم.
الكثير من السياسات والتشريعات التي تعاملت مع الحالة الجديدة رغم أنها تبدو إلى حدٍّ ما تحل الأزمة فإنها تسهم في تفاقمها، مثل إلغاء قوانين حماية العاملين وتعويم العقود والأجور والضمان والتأمين والفصل من الوظائف وتحييد النقابات العمالية والمهنية، ولكن الأكثر غرابة أن النقابات في بلاد كثيرة ومنها الأردن اختارت هي متطوعة أن تحيد نفسها وانحازت ضد مصالح منتسبيها، ولا تجد من الشجاعة سوى مطالبة الحكومة بإنصاف العاملين لديها، وكأن العاملين في القطاع الخاص يتمتعون بوضع أفضل، أو اكتفت بمقاومة وهمية لتطبيع غير موجود أصلا أو الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج!
أما النقابات العمالية فتبدو في حالة غيبوبة ونشوة لا تصدق بسبب مشاركة قادتها في الاحتفالات والمؤتمرات الدولية (الله يطعم كل مشتهٍ) هذا الإشغال للنقابات العمالية والمهنية، واستيعاب قادتها في مجالات استعراضية غير منتجة يكاد يكون أكثر تدميرا للبنى الاقتصادية الاجتماعية من أية مؤامرة أخرى، فالنقابات المفترض أن تمنح المعادلة توازنا، وتمنح المجتمعات القدرة على مواجهة الشركات والمشاركة في الإنتاج والمسؤولية إلى جانب الشركات والحكومات تحولت إلى عالة، قطاع مستضعف تحت رحمة الحكومات والشركات والصدقات والهبات. ستكون أكبر ضربة تُوجَّه للطبقات العاملة والوسطى في المجتمع هي شغل المعارضة وبقايا مؤيدي مرحلة دور الدولة السابق للشتم العميق والذكي للعولمة والليبرالية الاقتصادية مع المشاركة الكاملة فيها، ولكن العمل العام المجتمعي والرسمي والخاص بحاجة للبحث والتفكير في الجمع بين تحقيق العدالة الاجتماعية ورفع مستوى التنمية البشرية وبين الاستمرار في النظام الاقتصادي الجديد؛ لأن التخلي عنه لا يبدو واردا أو مطلوبا، وهذه الفكرة ليست اختراعا جديدا، ولكنها موضع كثير من البرامج السياسية والانتخابية لأحزاب وقيادات سياسية وفكرية، مثل شرويدر المستشار السابق لألمانيا، وكلينتون الرئيس الأسبق للولايات المتحدة، الذي ربما يكون أكثر رؤساء الولايات المتحدة ذكاء ومثالية اجتماعية، وأخيرا فقد نجحت (انتخابيا) هذه البرامج والأفكار في الولايات المتحدة بانتخاب أوباما رئيسا، وفي اليابان بانتخاب الحزب الديمقراطي الاجتماعي بعد 50 سنة متواصلة من استمرار هيمنة السياسات الليبرالية.
المسألة ببساطة هي: كيف تدار الضرائب والموارد العامة باتجاه الاحتياجات والأولويات الحقيقية للمجتمعات والمواطنين؟ وكيف يطور نظام الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي ليكفل لكل مواطن الحق في تقاعد مجزٍ وفرصة كافية للعلاج؟ وكيف ينظم ويدار التنافس على الأعمال وفي السوق وفي المجالات المهنية بعدالة تحقق الإبداع والتطوير والنجاحات والمبادرات الفردية والمؤسسية؟
فالتراجع في مستوى المعيشة والرفاه لا يعود فقط إلى الفجوة الاقتصادية وعدم المساواة في توزيع العائدات الاقتصادية، ولكن أيضا إلى العمليات والسياسات التنظيمية والإدارية التي تحكم العمل والمهن والسوق والحرف والإنتاج.