2010-02-23
بعد أشهر فقط من تصاعد المقاومة للنازية، وتراجع ثم هزيمة قوات هتلر في أجزاء واسعة من أوروبا المحتلة، أطلق شاعر ومسرحي ألماني شهير هو برترولد بريشت صيحته المدوية (انتهت مصاعب الجبال وبدأت مصاعب السهول).
في العراق اليوم، ثمة صيحة مدوية أخرى شبيهة على نحو ما، لكنها محفوفة بمفارقة ساخرة، فمن يطلقها ليس شاعراً أو سياسياً عراقياً؛ بل هو السفير الأميركي ببغداد كريستوفل هيل. يقول هيل مخاطباً العراقيين: انتهت «معركة الاجتثاث». وكما قال بالحرف الواحد في مؤتمره الصحافي بواشنطن (فإننا نتجاوز مسألة المستبعدين. الانتخابات سوف ننطلق. لقد انتهينا من المسألة). القائمة العراقية التي يتزعمها إياد علاوي التي حسمت أمرها وأعلنت أنها ستشارك بحماسة وقوة، أعطت لتصريح هيل كل ما يلزم من صدقية؛ إذ انتهت -بقرار العراقية- كل الإشارات والعلامات الدالة على احتمال حدوث مقاطعة سياسية وشعبية.
ولأن معركة «الاجتثاث» التي خاضها المالكي ضد مقترحات جوزيف بايدن، وضغوط القائد العسكري أوديرنو، انتهت فعلياً لصالحه؛ بل وبفوزه الباهر بأول جائزة ثمينة قبيل الانتخابات (فهو تخلص بضربة واحدة من منافسيه تحت سمع الأميركيين وبصرهم) فقد بات احتمال عودته إلى رئاسة الوزارة بولاية ثانية، احتمالاً قابلاً للتقليب ويمكن توقعه. بيد أن المسألة لا تكمن هنا، ولا في «مسألة الاجتثاث» ولا في تخلي الأميركيين عن ضغوطهم لصالح التراجع عن قرار استبعاد المرشحين؛ بل تكمن هنا: وماذا بعد؟ هل الانتخابات هي الحل السحري الذي ينتظره العراقيون للتخلص من الكابوس؟
كل ما حدث، بعد قرار القائمة العراقية، أن الأطراف كلها تجاوزت «مصاعب الجبال» لكنها ستكون وجهاً لوجه أمام مصاعب من نوع آخر: مصاعب السهول، وذلك حين تتطلب المناورات السياسية السير بخطى حثيثة نحو تشكيل حكومة جديدة.
من الواضح أن الانتخابات سوف تسير بهدوء (اللهم إلا إذا تمكنت دولة العراق الإسلامية من تنفيذ تهديداتها وقامت بعمليات دموية ضد مراكز الاقتراع والوزارات والمباني الحكومية) وسوف يكون هناك إقبال محدود ولكنه كافٍ لفوز الجميع بمقاعد لا تكفي أيا منهم ليصبح صاحب الأغلبية في البرلمان، وبالتالي فإننا سنكون أمام احتمال دخول كل قوى العملية السياسية في ماراثون تفاوض من أجل تشكيل حكومة جديدة. وكما حدث في انتخابات 2005، فمن المتوقَّع أن تستمر محاولات تشكيل حكومة جديدة وقتاً طويلاً قد يمتد إلى أشهر.
ولكل ذلك يمكن القول إن الانتخابات التي تخطت «مصاعب الجبال» سوف تسير على النحو التالي:
أولاً: من المحتمل أن تبدأ دولة العراق الإسلامية موجتها الرابعة من العنف بضرب المراكز الحكومية، لخلق فوضى تعطِّل جزئياً أو كلياً سير العملية الانتخابية، ولكنها بكل تأكيد ستطرح علامات استفهام خطيرة حول وضع العراق بعد الانسحاب الأميركي، وما إذا كان سيتجه بالفعل نحو الحرب الأهلية ثم التقسيم.. وهذا احتمال سيظل قائماً وماثلاً أمام أبصار العراقيين.
ثانياً: في حال وقعت أعمال من هذا النوع، فمن المحتمل أنها ستدفع كل القوى المنخرطة في العملية السياسية إلى الخوض في سجال سياسي صاخب حول «المسألة الأمنية» وهو ما سوف يسهم عملياً في خلق أجواء إعاقة لأي تفاهم حول الحكومة المقبلة، كما أنه سوف يضعف من فرص المالكي للعودة ثانية، وسيطرح اسم عادل عبدالمهدي كمرشح بديل. وهذا يعني أننا سنكون مرة أخرى أمام دوامة التفاوض الماراثوني الذي لا يلوح في نهايته أي أفق للحل.
ثالثاً: أن كل الكتل (وبشكل أخص القوى الست المهيمنة على الساحة السياسية: الدعوة والمجلس والحزبين الكرديين وعلاوي والتيار الصدري) ستعيد إنتاج نفسها في عملية سياسية جديدة، الغرض منها ملاقاة استحقاق الانسحاب الأميركي والتعاطي معه على الأرض. وهذا هو مغزى قول كريستوفل هيل إن الانتخابات مهمة للأميركيين لأنها ستحدد العلاقات بين واشنطن وبغداد. وهذا يعني أن وظيفة الانتخابات هي بالضبط، تهيئة الظروف لانسحاب أميركي يجب أن يبدأ من مطلع العام المقبل وليس إنتاج حل وطني شامل، وبالتالي فإن المطلوب منها أن تبدأ من أجل هذا الغرض وحده.
رابعاً: وهذا ما يدفع بالمراقبين السياسيين إلى التأكيد أن مرحلة ما بعد الانتخابات ستكون أخطر بكثير من المرحلة الراهنة (ما قبل الانتخابات)؛ لأن الصراع سوف ينشب بين مختلف القوى وعلى أكثر من جبهة. من بين هذه الجبهات التي نتوقع اشتعالها، جبهة كركوك، والمعلومات الواردة من بغداد تشير إلى «صفقة» بين الحزبين الكرديين وحزب الدعوة بزعامة المالكي، يجري بموجبها «تنازل عن كركوك لصالح الإقليم الكردي» مقابل دعم الحزبين لعودة المالكي رئيساً للوزراء. وفي هذه الحالة، فإن الخلاف حول تشكيل الحكومة المقبلة سوف يتسم بطابع المزايدات السياسية بين الائتلاف الوطني بقيادة الحكيم وائتلاف دولة القانون بقيادة المالكي، ذلك أن خطوة المالكي هذه سوف تفتح من جديد ملف الفيدرالية؛ فإذا كان الحكيم هو من قاد في المرحلة السابقة الدعوة لإنشاء أقاليم شيعية فيدرالية؛ فإن التنازل عن كركوك سيجعل من حزب الدعوة بطل المرحلة الجديدة التي يفتح فيها ملف الفيدرالية انطلاقاً من «فيدرالية الأمر الواقع في كردستان».
لكل هذه الأسباب لا ينبغي إشاعة الأوهام أن الحل السحري لمأزق العراق يكمن في الانتخابات. وعلى العكس قد تفتح الانتخابات أبواب الجحيم.