قطر تصرخ: لا لحصار غزة.. لا لقتل الأبرياء.. لا للصمت الدولي
2008-01-26
الدوحة - ياسين بن لمنور
خرج أمس آلاف القطريين والمقيمين رجالا ونساء إلى الشارع وبصوت واحد دوى سماء الدوحة قالوا «من الدوحة إلى غزّة.. نصر كرامة وعزّة» و «من قطر نرفع شعار لا تجويع ولا حصار»، فمباشرة بعد خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي بمسجد عمر بن الخطاب، انطلق آلاف المصلين والمصليات يقودهم فضيلته في مسيرة شعبية للتعبير عن رفضهم للاحتلال الإسرائيلي، وحملوا شعارات منددة بالحصار الذي تعاني منه غزة، ورددوا عبارات مناوئة للصهاينة ومساندة للأشقاء في فلسطين، وطالبوا بتحرك دولي لكسر جدار الصمت وردع إسرائيل وتوقيف الظلم والعدوان.
وتجمع الآلاف عند باحة المسجد ولحق بهم من صلى الجمعة في مساجد أخرى، وتشكلت مجموعات صغيرة لكل منها قائد يرددون خلفه رسائل صوتية للمجتمع الدولي الصامت على الانتهاكات الصارخة التي يتعرض لها الأشقاء يوميا في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حاملين الرايات الفلسطينية ورايات حركتي «حماس» و»فتح» تعبيرا عن وجوب التقاء الجمعان وتوحدهما لمواجهة المصائب وكيد إسرائيل، وجابوا الشوارع القريبة من مسجد عمر وصولا إلى النقطة الدائرية لـ «المرخية»، حاملين صوراً للشيخ أحمد ياسين -رحمه الله- وخليفته عبد العزيز الرنتيسي -رحمه الله- ولمشعل وهنية والصيام، ولبس الكثير الكوفيات الفلسطينية كالتي كان يرتديها أبو عمار -رحمه الله- وبعضهم التحف بالعلم الفلسطيني، والتقى الجميع في ساحة على الهواء الطلق، حيث كان ينتظرهم فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي لإلقاء كلمة.
من الدوحة إلى غزّة.. نصر كرامة وعزّة
وردد المشاركون في المسيرة الشعبية الأولى في العالم المنددة بحصار غزة «من عمر وصلاح الدين غدا ستتحرر فلسطين».. «من غزة ينادي الأطفال أمي أين (المسلمين).. ردوا عليهم يا رجال نحن فداءك يا فلسطين».. «يا مؤمن يا ابن الإسلام وطّن نفسك على الآلام».. «لن ننسى الأسرى وفلسطين مهما فعل (المحتلين)».. «غزّة لا بد أن تبقي أبيّة لأنه يسكنك الصيام وهنية».. «نحن قمنا ولا ننام حتى ترجع غزة للدار».. «من الدوحة إلى غزّة نصر وكرامة وعزّة».. «يا الله يا قهار ارفع عن غزة الحصار قبل ما يطلع النهار لازم نكسر الحصار»، وناشدوا الحكام العرب بضرورة اتخاذ موقف تضامني مع الشعب الفلسطيني «يا حكام نريد قرار أهل غزة في انتظار».. «يا جامعة عربية نريد شجاعة وأبية».. «يا أمة إسلامية نريد أن تكوني قوية»، كما طالبوا بتحرير فلسطين كاملة «لا نريد تموين بل كامل فلسطين»، وتوعدوا إسرائيل «القدس وغزة ورام الله وحدة ونصر بعون الله».. « خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود».. «يا باراك لا استسلام مهما حاصرت القسام».
كما رفع الآلاف شعارات معبّرة أخذت فيها دولة قطر حصة الأسد بعد أن قرر سمو الأمير في وقت سابق بإرسال مساعدات عاجلة للشعب الفلسطيني، وطالبت قطر المجتمع الدولي بضرورة التحرك لفك الحصار المفروض على غزة، «الشعب القطري يقف صفاً واحداً مع الشعب الفلسطيني بغزة»..»دماؤنا وقود لمصابيح غزّة».. «أطفال غزّة يصرخون فهل من نصير».. «صرخات الحرائر تستصرخ الضمائر»، ورُفعت لافتات المجلس البلدي المركزي «لا للقتل والحصار والتجويع».. «لا للظلم والعدوان».. «لا للصمت الدولي».
وقال ماجد سيد لـ «العرب» وهو مقيم عربي من شمال إفريقيا أبى إلا أن يشارك في المسيرة ويضم صوته لصوت الغاضبين على الجبروت الإسرائيلي: «مشاركتي في المسيرة ما هي إلا أقل خطوة يُمكن أن يقدمها أي مسلم غيور على تحرير القدس»، وأضاف «كفانا ظلما كفانا صمتاً، نريد تحرير بيت المقدس»، ولم تقتصر المسيرة على المسلمين رغم أنها انطلقت بعد الصلاة، إذ قال جورج مقيم عربي مسيحي «جئت من المنزل مباشرة للمسجد وانتظرت إتمام الصلاة لأعبر عن رفضي للحصار المفروض على غزة، لا بد أن يتحد العرب ويقولون كلمة الفصل»، وسانده في ذلك صديقه المسلم رياض «نحن هنا من أجل فلسطين، ولكي تتحرّر القدس علينا بالتخلي عن كل الحساسيات والاتحاد لنصرتهم، ومشاركتنا اليوم رغم أنها رمزية لكنها أضعف الإيمان، وهذا ما يُمكننا تقديمه فضلا عن التبرعات والدعاء وإن شاء الله سينتصر المظلومون».
كما كان للنساء دور في هذه المسيرة وأوصلن صوتهن وشاركن بقوة ولم تثنيهن طول المسافة، واقتربت «العرب» منهن لأخذ انطباعاتهن، قالت أم أمحمد «نحن والدات الشهداء.. نقول لا لإسرائيل ولا لتجويع الشعب الفلسطيني الأبي.. اليوم نشارك لنثبت للعالم أجمع أن القضية الفلسطينية قضية عادلة والكل يؤمن بها من الجزيرة العربية إلى أقصى نقطة في العالم»، بينما قالت ابنتها ليلى «لا نملك إلا صوتنا للتعبير عن رفضنا المطلق لسياسة إسرائيل التي تعدت القتل إلى التجويع، كامرأة عربية مسلمة أرفع صوتي عاليا لأقول لا وألف لا لإسرائيل، وأقول لإخوتي في غزّة نحن وقود مصابيحكم ولا تقنطوا من رحمة الله، وتذكروا أن لكم أخوات يدعين لكم ويتضرعن لله من أجل نصرتكم».
صوت الشعب
من جهته قال ناصر عبد الله الكعبي رئيس المجلس البلدي المركزي الذي كان في الصفوف الأولى «وجودنا اليوم ضمن هذا الجمع الكريم ما هو إلا رسالة للتعبير عن مشاعر تضامن الشعب القطري ووقوفه مع إخوانهم الفلسطينيين المحاصرين في قطاع غزة وينادي بفك الحصار الفوري عنهم»، الكعبي الذي كان رفقة أعضاء المجلس البلدي أضاف «إن الظروف المأسوية التي يعيشها الفلسطينيون في القطاع لا يرضاها القطريون والعرب والمسلمون»، جازما «هذه المسيرات تعبر عن صوت الشعب الذي لا صوت يعلو فوقه»، وفضلا عن أعضاء المجلس البلدي، وجمعية البلاغ الثقافية التي يرأسها الشيخ يوسف القرضاوي شاركت الجمعيات الخيرية بما استطاعت، فالهلال الأحمر القطري جنّد متطوعين لإسعاف المرضى، ووزع الماء على العطشى، وقامت قوات الأمن بضمان التنظيم والتحكم في حركة المرور، وكان التجاوب كبيرا بين كل هؤلاء.
دولة كبيرة بمواقفها
وبعد ساعة من المشي قطع خلالها الآلاف حولي 3 كلم من مسجد عمر بن الخطاب إلى الساحة المحاذية للنقطة الدائرية بالمرخية ترجل الشيخ يوسف القرضاوي واعتلى المنصة التي صُممت خصيصا لإلقاء كلمته وسط السيول البشرية، وقبل أن يتكلم فضيلته جاء اتصال من محمد نزال عضو القيادة السياسية في حركة حماس المتواجد في دمشق وخطب في الجماهير الحاضرة وسط التكبيرات المدوية في سماء الدوحة، وقال رغم أن قطر دولة صغيرة في المساحة لكنها أثبتت أنها كبيرة في المواقف، وانقلبت الموازين في تقييم الدول، ولا بد أن نقيمها من خلال دورها التفاعلي وأعمالها، وها هي اليوم قطر تثبت أنها فعلا دولة كبيرة، وهي تعبر بكل جوارحها عن تضامنها مع الشعب الفلسطيني» وأضاف نزال عبر الهاتف «لقد أرادوا اغتيال الشعب الفلسطيني عبر صواريخهم وقتل الشباب والنساء والأطفال، واليوم أضافوا سلاحاً جديداً إنه سلاح التجويع والحرمان من الكهرباء والماء.. يريدون إخضاع الشعب الفلسطيني وتقويض إرادته وإجباره على رفع الرايات البيضاء، لكن هيهات.. لأنه شعب يملك إرادة ولن يخضع» وقال مخاطبا شعب قطر «يا شعب قطر مواطنين ومقيمين شكرا لكم على هذه الوقفة التضامنية مع إخوانكم لمقاومة الاحتلال الصهيوني ومقاومة استغلال الإنسان لأخيه الإنسان».
وختم نزال تدخله بالتأكيد على أن شعب غزّة صامد وسيبقى صامدا وسيواصل القتال إلى أن تتحرّر الأرض.
تحية خاصة لسمو الأمير
ومع انتهاء كلمة نزال خطب فضيلة الشيخ القرضاوي مجدداً في الناس بعد خطبة الجمعة، وطالب الهيئات الإقليمية والدولية من جامعة عربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وهيئة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومجلس الأمن بالقيام بدورها ورفع الحصار والظلم والبلاء عن الشعب الفلسطيني، وطالب فضيلته الحكام والقادة العرب خاصة والمسلمين عامة بالسعي سعياً حثيثاً لفك هذا الحصار»، وطالب الفلسطينيين الذين عبروا معبر رفح نحو مصر أن يعودوا لديارهم بسلام بعد قضاء حاجاتهم «لا نريد لأي فلسطيني أن يهجر داره، تتحول بيوتنا لمقابر ولا نهجرها»، ووجه مجددا دعوته لفرقاء حماس وفتح وكل الفصائل للاتحاد والتلاحم لأن المصائب تجمع المصابين، وطالب بمقاطعة المنتجات الصهيونية والأميركية مقاطعة صادقة وواقعية، وأن يكون كل مسلم مع إخوانه قلبا وقالبا بلسانه وماله وبدعائه.
ووجه فضيلته التحية لشعب قطر دولة وقيادة وشعبا ولسمو الأمير الذي قال عنه «إنه يتجاوب معنا كلما طالبنا بمسيرة، كما أنه أول من استجاب للمساعدات، وأرسل رئيس مجلس الوزراء ليطلب من إسرائيل الكف عن جبروتها»، كما وجه تحية مماثلة للرئيس المصري الذي فتح معبر رفح أمام الشعب الفلسطيني وطالبه بأن يثبت على موقفه وألا يخضع للضغوط.
ومع انتهاء الشيخ القرضاوي من إلقاء كلمته، أدى الآلاف صلاة العصر في الهواء الطلق ليفترقوا على وقع التكبيرات والدعاء للشعب الفلسطيني بفك أسره ونصرته على الاحتلال الإسرائيلي.