مساعدة الفلسطينيين المحاصرين واجب شرعي وجهاد بالمال وليست تبرعاً
2008-01-26
الدوحة - محمد المصري
وجه فضيلة العلامة د. يوسف القرضاوي الشكر لقطر حكومة وشعباً لموقفها المؤيد للحق الفلسطيني وقال إن الجهد السياسي والدبلوماسي القطري الرامي لرفع الحصار عن غزة يستحق الشكر والتقدير.
ودعا انصار فتح وحماس لأن ينسوا خلافاتهم وأن ينسوا ذواتهم ويفكروا في مستقبل وطنهم ويجلسوا معاً ويتفاهموا للخروج من المأزق الذي يحيط بهم.
وطالب مصر بأن تثبت على موقفها الذي توجبه وطنيتها ودينها وقوميتها وموقعها وبأن لا تستجيب للضغوط الأميركية والإسرائيلية التي تطالبها بأن تغلق معبر رفح. ودعا باقي الدول العربية والإسلامية لأن يكون لها موقف مناصر للحق الفلسطيني.وذكر أنه لا يصح للعرب أن يقفوا متفرجين وهم يرون إخوانهم بأعينهم يموتون تحت وطأة الحصار. وأبدى أسفه للحالة المتردية التي وصلت إليها الأمة الإسلامية التي سادت الزمن قروناً طويلة وكانت رائدة الحضارة وكانت خير أمة أخرجت للناس فصارت في ذيل الأمم.
جاء ذلك في أول خطبة جمعة يلقيها القرضاوي بجامع عمر بن الخطاب بعد انقطاع بسبب المرض دام سبعة أشهر.
وعلق الشيخ القرضاوي على ما يحدث في غزة واصفا إياه «بالحصار الظالم الجائر الذي لا مبرر له» ومعتبرا أنه حلقة من حلقات الحرب الممتدة بيننا وبين إسرائيل. ووصف الشعب الفلسطيني بأنه شعب بطل وشعب مقاتل صامد ومضحٍ ومرابط. لم يركع ولم يستسلم رغم الحصار الخانق المفروض عليه منذ ثمانية أشهر. وحيا بسالة وصمود الشعب الفلسطيني لأنه «يأبى أن يذل ويرفض أن يحني رأسه أو يطأطئ ظهره إلا لربه راكعا ساجدا» وأضاف بأنه يكفي شعب فلسطين فخراً أنه يتحمل الجوع ويرفض الركوع.وتساءل الشيخ القرضاوي عما فعله العرب والمسلمون لنصرة إخوانهم في فلسطين. وقال ما هو موقف ثلث مليار عربي ومليار وربع المليار مسلم مما يجري للأشقاء الفلسطينيين.وأبدى ألمه وحزنه لما يتعرض له أهل غزة من حصار وتجويع وقطع للوقود والكهرباء التي وصفها بوريد الحياة. وأشار إلى أن الشعب الغزاوي الصابر المرابط مهدد في حياته ويتألم ويتوجع ويصبر ونحن نقف مكتوفي الأيدي عاجزين عن نصرته ومساعدته.
وأوضح أن وقفة واحدة للعرب والمسلمين في وجه إسرائيل وأميركا كفيلة بردهما وإثنائهما عن تماديهما في عدوانهما وظلمهما لإخواننا في فلسطين.ووجه القرضاوي الشكر لمصر على مبادرتها بفتح المعابر أمام أهل غزة ليخرجوا من السجن المحاصرين فيه وقال: «إننا في هذا المقام لا نملك إلا توجيه الشكر لمصر التي فتحت معبر رفح في أيام الحج وفي الأيام الماضية ويسرت لعشرات الآلاف من المرضى والجوعى الخروج من الحصار وقضاء حاجاتهم الضرورية». وتابع قائلا: «نحيي مصر شعباً وحكومة وقيادة»، وأثنى على تصريحات الرئيس المصري عقب افتتاح معبر رفح. وطالب مصر بأن تثبت على موقفها الذي توجبه وطنيتها ودينها وقوميتها وموقعها وبأن لا تستجيب للضغوط الأميركية والإسرائيلية التي تطالبها بأن تغلق معبر رفح.
ودعا باقي الدول- العربية والإسلامية - بأن تشجع مصر وأن يكون لها موقف مناصر للحق الفلسطيني.وذكر أنه لا يصح للعرب أن يقفوا متفرجين وهم يرون إخوانهم بأعينهم يموتون تحت وطأة الحصار.وقال إن هذا الموقف لا يصح من الأخ تجاه أخيه مشيرا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته». واستنتج من الحديث أن العرب والمسلمين لا يصح أن يتركوا إخوانهم الفلسطينيين فريسة للصهاينة ليفعلوا بهم ما يشاؤون.
وتساءل عن موقع الأخوة الإسلامية والنخوة العربية فيما يجري للفلسطينيين على أيدي الإسرائيليين. وأوضح أن الأخوة الحقيقية تظهر في ساعات المحن والشدائد. وطالب الشيخ القرضاوي الفصائل الفلسطينية المتناحرة بأن تنسى خلافاتها أمام الخطر الذي يتهددها. ودعا انصار فتح وحماس لنسيان خلافاتهم وأن ينسوا ذواتهم ويفكروا في مستقبل وطنهم ويجلسوا معاً ويتفاهموا للخروج من المأزق الذي يحيط بهم.
وقال لا وقت للمزايدة ولا وقت لأن تتحدى الفصائل الفلسطينية بعضها ففي أوقات النكبات والمصائب التي تقع على الأوطان يجب أن ينسى الأفراد ذواتهم. ويجب أن يجتمعوا تحت راية واحدة في صف واحد.
وأكد أن الأطماع الإسرائيلية والمخططات الصهيونية ليست موجهة ضد فصيل فلسطيني بذاته وإنما هي موجهة للفلسطينيين جميعاً.
وأشار إلى أن اليهود - رغم أن بأسهم بينهم شديد- يتناسون خلافاتهم ويقفون صفاً واحدا ضد العرب والمسلمين. وتساءل لماذا لا نكون مثلهم وأفضل منهم. وحث د. الفرضاوي على استئناف الحوار بين فتح وحماس مبيناً أنه لا بديل عن الحوار إلا القتل وسفك الدماء. وأكد أن قتل الفلسطيني لأخيه الفلسطيني مرفوض إسلامياً وقوميا ووطنيا وإنسانيا. واعتبر القتال بين الفصائل الفلسطينية من أعمال الجاهلية التي حاربها الإسلام وقضى عليها. مشيرا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» وقوله: «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضك رقاب بعض» وقوله: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار».
وقال بالحرف الواحد: «أدعو الأخوة من الفصيلين الكبيرين فتح وحماس أن يلتقوا جميعاً والقاهرة مفتوحة لهما «فليجلس بعضهم مع بعض ليتفاهموا على وسائل الخروج من المأزق الذي تمر به فلسطين.
ونصح بالبعد عن التصلب والتخشب في المواقف وأن يلين كل طرف ويتنازل لأخيه وصولاً للصالح العام.
ذل المسلم للمسلم مشروع
وأشار إلى أن الله عز وجل لم يمدح الذل للمسلم إلا في موضعين:
الأول: أن يذل الإنسان لأبويه كما قال الله عز وجل: «واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا»
والثاني: ذل المؤمن لأخيه المؤمن كما قال الله تعالى: «يأيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم».
ووجه نداء للفلسطينيين كافة بأن يجتمعوا صفا واحدا وأن يتفاهموا وأن ينسوا خلافاتهم في هذا الموقف الحرج وأن يكونوا كالبنيان يشد بعضه بعضا مبينا أن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا. وقال إن الله يحب من المؤمنين وقت المعارك أن يقاتلوا صفا واحدا كأنهم بنيان مرصوص. «إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص»
واجب المسلمين
وحث الشيخ القرضاوي جموع المسلمين في كل مكان بأن يقفوا وراء إخوانهم ويشدوا أزرهم ويقووا ظهرهم وأن يكونوا معهم بكل ما يستطيعون.
وأوضح أن الفلسطينيين يبذلون أرواحهم ويضحون بممتلكاتهم دفاعا عن وطنهم الذي هو ثغر من ثغور الإسلام وباقي المسلمين مطالبون بأن يؤيدوهم مادياً ومعنوياً وسياسياً.
ووجه الشيخ القرضاوي الشكر لقطر لدعمها لمتواصل للأشقاء الفلسطينيين مثمنا المعونات والمساعدات القطرية التي تم إرسالها إلى المحاصرين في غزة. وثمن الجهد السياسي والدبلوماسي القطري الرامي لرفع الحصار عن غزة.
وأكد أن كل المسلمين شعوباً وحكومات مطالبين بالوقوف خلف الأشقاء الفلسطينيين كل بقدر ما يستطيع. وقال ما دمنا لا نستطيع أن نجاهد مع الفلسطينيين فلنستحضر نية الشهادة ونبذل أموالنا وجهدنا لمساعدتهم.
الجهاد بالمال
ورفض القرضاوي تسميه ما يتم إرساله للفلسطينيين بأنه «تبرعات» لا فتا إلى أن كلمة «تبرع» لا تكفي في هذا المقام لأنه واجب وشكل من أشكال الجهاد بالمال. وصورة من صور التكافل بين أبناء الشعب المسلم المطلوب في السراء والضراء.
وطالب بتجديد حملات المقاطعة لبضائع ومنتجات الدول التي تقف ضد قضايانا. وقال: طالما نادينا بالمقاطعة وتستجيب لها الشعوب العربية والإسلامية فترة ثم تتراخى وتهدأ وينساها الناس.
وتساءل غاضبا: لماذا يتوقف العرب والمسلمون عن مقاطعة منتجات الدول التي تعادينا والمعركة لا تزال مستمرة وحامية الوطيس بيننا وبينهم وطالما يستمرون في معاداتنا فلابد أن نستمر في مقاطعتهم.
ونصح باستخدام سلاح الدعاء في مواجهة الأعداء مؤكدا أنه سلاح فعال يجب ألا نستهين به في خلواتنا وصلواتنا وفي سجداتنا وفي الأسحار. وطالب الأئمة والخطباء بأن يقنتوا لله متضرعين داعين في سائر الصلوات للأشقاء الفلسطينيين بأن يفتح الله لهم فتحا مبينا. وأن يهديهم صراطا مستقيما وأن ينصرهم نصرا عزيزا وأن يتم عليهم نعمته وينشر عليهم فضله ورحمته.
المرض والابتلاء
وكان الشيخ القرضاوي قد استهل خطبته بحديث عن المرض الذي أصابه والابتلاء الذي تعرض له خلال الأشهر الماضية. وخلص مما تعرض له إلى أن ابتلاء الأمة أعظم من ابتلاء الأفراد وروى ما حدث له قائلاً «مرت بضعة أشهر ولم يقدر لي أن أعتلي المنبر الذي صار بيني وبينه رابطة ومودة. والرابطة بين الخطيب ومنبره عميقة حيث يشتاق إليه ويحن إلى جمهوره وأحبائه وقال: قدر الله علي أن أحرم من المنبر الذي لم يعد قطريا فحسب ولكنه أصبح بفضل الله تعالى ثم بفضل الفضائية القطرية منبرا عالميا يسمع في كل القارات. كل من يفهم العربية يستمع لما يقال فوق منبر جامع عمر بن الخطاب قدر الله على أن أحرم من الخطابة من فوق منبر جامع عمر بسبب ما ابتليت به من مرض اسأل الله تعالى أن يجعله كفارة لسيئاتي وذنوبي وما أكثرها وكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون المستغفرون، ومن فضل الله تعالى علينا ورحمته نحن المسلمين أنه جعل لنا أنهارا أو حمامات نغتسل فيها ونتطهر من ذنوبنا وسيئاتنا منها الوضوء والصلاة والصدقات والصيام والحسنات كما قال الله تعالى: «إن الحسنات يذهبن السيئات» وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها» وقوله عليه الصلاة والسلام: «ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب ولا غم ولا حزن ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه»
الدنيا دار امتحان
وذكر فضيلته أن الإنسان معرض في حياته لابتلاءات مستمرة بنص قول الله عز وجل: «لقد خلقنا الإنسان في كبد» وقوله سبحانه: «إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه». وأشار إلى أن الدنيا دار امتحان وبلاء للناس جميعا واستشهد بقول الإمام على بن أبي طالب «الدنيا دار أولها بكاء وأوسطها عناء وآخرها فناء». وأوضح أن الناس بحاجة للآلام والأمراض في الدنيا ليتخففوا بها من خطاياهم ويتطهروا بها من أدران ذنوبهم ويلقوا ربهم وهم أخف أحمالاً. وأوضح أنه لا ينبغي للمؤمن أن يجزع ولا أن ييأس إذا أصابته المصائب. كما أوضح أن وقوع المصائب ليس دليلا على كراهية الله للإنسان بدليل أن الله ابتلى الأنبياء والرسل وهم خيرة الخلق وصفوة البشر، وأشار إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل» وأوضح أن الرجل يبتلى على قدر دينه فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة وخفة وضعف ابتلي على قدر دينه. ولفت إلى أن البلاء لا يزال ينزل بالعبد حتى يرحل عن الدنيا وما عليه من ذنب، كل إنسان معرض للبلاء ونحن المسلمين لا نعتبر البلاء شرا ولا نعتبره نقمة بل نعتبره رصيدا لنا في ميزان حسناتنا يوم القيامة. وأشار إلى أن بعض المسلمين يفلسف البلاء حتى يجعل من المحنة التي تصيبه وتؤلمه نعمة يشكر الله عليها، وأشار إلى قول عمر بن الخطاب «ما أصبت من بلاء إلا وجدت لله علي فيه أربع نعم: أنه لم يكن في ديني.. أنه يكن لم يكن أكبر مني.. أني لم أحرم الرضا به.. أنني أرجو ثواب الله عليه»
وبين فضيلته أن كل مصيبة بعيدة عن الدين مقدور عليها وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا». وقال إن المؤمن إذا أصابه البلاء رضي بما قدر الله له ويعلم أن تقدير الله له خير من تقديره لنفسه «ورب ضارة نافعة» «وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم».. والمؤمن يجب أن يرضى بالقضاء والقدر خيره وشره سواء كان كبيرا أم صغيرا. وأستشهد بقول إحدى النساء الصالحات «حلاوة ثواب المرض تنسيني مرارة الوجع».
مصيبة الأمة أعظم
وخلص الشيخ القرضاوي من الحديث عن ابتلاء الأفراد إلى الحديث عن ابتلاء الأمة ومصائبها فقال: إن بلاء الأفراد مهما يعظم ويكبر يصبح شيئاً هينا إذا قورن ببلاء الأمة، وأوضح أن ما أصابه من أمراض وآلام أدخلته المستشفى وألزمته الفراش مدة من الزمن لم تؤثر في نفسه كما أثرت فيه أحداث الأمة التي تتوالى ليل نهار ووصف الأحداث التي تمر بها الأمة بأنها تدمع العيون وتقطع الأكباد وتجعل الإنسان يصم أذنيه ويغلق التليفزيون حتى لا يرى نشرات الأخبار لأنها تحتوي على مآسي وأخبار محزنة عن المسلمين في المشرق والمغرب. ولكنه اعترف بأن الهروب من سماع أخبار المسلمين المحزنة لا يغني عن الواقع شيئا وأن أمتنا تخرج من أزمة فتقع في أخرى ولا تخرج من محنة إلا وتقع في محنة أشد منها.
وأبدى أسفه للحالة المتردية التي وصلت إليها الأمة الإسلامية التي سادت الزمن قروناً طويلة وكانت رائدة الحضارة وكانت خير أمة أخرجت للناس فصارت في ذيل الأمم.
وذكر أن أمتنا كانت لها مهابة ووقار تخافها باقي الأمم وتحسب لها ألف حساب وتسمع كلامها يوم كانت أمة مسلمة حقاً. وأشار إلى قول المغيرة بن شعبة لأحد قادة الفرس يوم سأله عن حقيقة المسلمين فقال له: «نحن قدر الله بتلاكم الله بنا ولو كنتم في سحابه لارتفعنا إليك أو لهبطتم إلينا». وأوضح فضيلته أن الأمة تردت وتخلفت لأنها ضيعت سبب عزتها وكرامتها بتخليها عن حمل كلمة الله التي هي كلمة الحق والعدل. وأشار إلى أن اليهود الأذلاء الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله تعززوا على أمة الإسلام وتنكروا للمسلمين الذين آووهم يوم طردتهم باقي الأمم. وقال إن اليهود لم يجدوا أرضا يقيمون عليها دولتهم إلا الأرض العربية والإسلامية في فلسطين.
وأشار إلى أننا مازلنا في معارك متصلة مع بني صهيون منذ عشرينيات القرن الماضي منذ زرعوا دولتهم في فلسطين. واغتصبوا أرضها وسفكوا دماء أهلها وشردوا سكانها.