2008-08-08
يبدو موضوع «الضربة ضد إيران» مثل المسألة التي تتكرر إلى درجة مضجرة، والتي سنفعل أي شيء لنتجاهلها. في المقابل، يصبح التكلم في الكلام أو النقاش الدائر حول «الضربة» أكثر مدعاة للاهتمام.
وهكذا من المفهوم أن نرى في شدة تقلب التوقعات بحصول «الضربة» من عدمها مؤشرا يضعها، بكل تأكيد، في خانة مختلفة مثلا عن التحليلات التي سبقت الحرب على العراق والتي كانت تختلف حول توقيت الحرب أكثر من اختلافها عن مدى وقوعها. لكن هل يكفي تأمل مماثل، بعد كل شيء، لحسم مسألة مدى حدوث «الضربة ضد إيران»؟
من اليسر بمكان، فيما يشبه غابة التحليلات المعروضة أمامنا عن «الضربة»، أن نجد رأيين في غاية التناقض، لكن كلاهما يَستعمل حُججاً غاية في الإقناع. وإزاء ذلك يستحيل التفكير بجدية في موضوع «الضربة» وعدم الاستسلام إما للتخمين أو اللامبالاة. سأعرض هنا مثالين لا يتعلقان بتوقعات «الضربة ضد إيران» فحسب، بل بالتحديد بتوقيتها أي ما إذا كان يمكن أن تقع قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية في نوفمبر القادم أو على الأكثر قبل نهاية العهدة الرئاسية للرئيس بوش في يناير 2009.
المذيع بيل أورايلي (Bill O’Reilly) المحافظ بشكل بالغ (حتى نتفادى توصيف «المتطرف»)، والذي لا يمكن أن يكون حنوناً عندما يتعلق الأمر بإيران، قدَّم مع نهاية شهر يونيو في مقدمة برنامجه اليومي على قناة «فوكس نيوز» حزمة، على غير العادة، من الأسباب المعقولة في سياق استبعاد وقوع «ضربة» عسكرية ضد إيران في الظرف الراهن بأي حجم كان، وبمعزل عن هوية الفاعل سواء كان أميركيا أو إسرائيليا.
كان إطار هذا الحماس البالغ المستبعد لحدوث «الضربة» المناورات العسكرية الإسرائيلية الدائرة آنذاك، وتحديدا التصريحات التي رافقتها ونقلتها قناة «سي بي أس» الأميركية والمتعلقة بالتهديد الإسرائيلي بضرب إيران إن لم يفعل الرئيس بوش أي شيء قبل نهاية عهدته الرئاسية. أجاب أورايلي، المقرب من الإدارة الأميركية، بأن أي عملية من هذا النوع ستكون «مضرة» بالمصالح الأميركية والإسرائيلية. وأرجع ذلك إلي غياب «الرغبة» في أميركا وعبر العالم للدخول في حرب جديدة ولم تكتمل بعد الحرب في العراق وأفغانستان. سيكون من المستحيل للرئيس بوش، حسب أورايلي، البدء بحرب من دون الحصول على موافقة من الكونغرس، وهو الأمر الذي لا يمكن أن يحصل خاصة في الظرف الراهن. و يواصل أورايلي تحليله للقول بأنه إذا بادرت إسرائيل بالضربة فإنها ستفجر نزاعاً يتجاوز حدود «الضربة» الجوية المزمع تنفيذها إلي مواجهة تخترق المنطقة من العراق إلى غزة مروراً بجنوب لبنان. وسيناريو من هذا النوع، يخلص أورايلي، سيجعل سعر برميل النفط يقفز إلى ما فوق المائتي دولار وهو ما سيهدد بشكل جدي استقرار الاقتصاد العالمي. كما سيفسح ذلك المجال، يضيف أورايلي، لما سماه بـ «الفاشية الإسلامية» للعودة أقوى مما كانت. ثم دعا أورايلي في النهاية إسرائيل لـ «الصبر».
النموذج المقابل في النقاش الجاري الآن حول «الضربة ضد إيران» مقال صدر في نهاية الأسبوع الأول من شهر يوليو الماضي في مجلة «نيويوركر» لكاتب التحقيقات الصحافية المعروف سيمور هيرش (Seymour Hersh)، والذي تخصص في السنتين الأخيرتين في كتابة تقارير متواترة حول احتمال وقوع «الضربة» بناء عادة على مصادر مطلعة على دواخل الإدارة الأميركية.
الإضافة الأساسية في المقال الأخير نقل هيرش لمعطيات من مصادر مطلعة تؤكد وجود صراع بين المدنيين والعسكريين في الإدارة الأميركية حول موضوع «الضربة». ينقل هيرش بشكل خاص تصريحات عن الأدميرال ويليام فالون الذي استقال في 11 مارس الماضي من منصب الإشراف على القيادة المركزية للعمليات العسكرية (Centcom)، والتي كان يشرف من خلالها على الاستراتيجية الأميركية العسكرية في كل من العراق وأفغانستان. كما ينقل تصريحات لعسكريين متقاعدين قريبين من فالون.
التقرير يؤكد على لسان فالون والمقربين منه ما راج سابقا عن أن الاستقالة كانت نتيجة لاعتراضه على «ضربة ضد إيران».
فالون الذي كان منخرطا في إيجاد الحلول للمأزق العسكري في العراق كان ينظر لإيران على أنها «عدو» خاصة على خلفية الدعم الذي تقدمه الأخيرة، حسب المصادر الأميركية، للفصائل العراقية المعادية للوجود الأميركي. غير أن تصوره لكيفية مواجهة إيران كانت مقلقة للكثير من السياسيين في الإدارة الأميركية، خاصة أنها كانت تدعو لإيجاد صفقة سياسية مع إيران وسوريا.
لكن خلفية الصدام بين فالون وبعض المسؤولين في البيت الأبيض، خاصة من مكتب نائب الرئيس ديك تشيني، كانت متمحورة حول مسائل عملية بشكل أكثر من مجرد النقاش الاستراتيجي حول إيران. إذ بدأت تتزايد المؤشرات، حسب هيرش، في الأشهر الأخيرة على نوايا «تطويع» الإدارة الأميركية لمذكرة أصدرها الكونغرس بجناحيه الجمهوري والديمقراطي في صيف العام الماضي لتمويل «عمليات استخبارية» داخل إيران، وتطويعها في اتجاه تمويل «عمليات عسكرية» معلنة وواسعة ضد إيران. فإلى جانب الجدال الحاصل حول مدى الحكمة في تمويل جماعات انفصالية مقربة من تنظيم «القاعدة» (مثلما هو حال بعض التنظيمات البلوشستانية في المقاطعات السنية شرق إيران) يثير البعض الآخر إشكال «الخيط الرفيع» الفاصل بين «تمويل» عمليات تجسس وأطراف إيرانية منشقة وبين تمويل «ضربة ضد إيران» من قبل الجيش الأميركي.
يتخذ النقاش نكهة حارة بشكل خاص في ظل الأجواء الانتخابية الراهنة، والممانعة المرتقبة من قبل الكونغرس لرفض أي «ضربة استباقية» ضد إيران من النوع الذي حصل مع العراق. ويختم هيرش ذاكرا أن كل ذلك يشير إلى الإصرار على سياسة «تصعيدية» من قبل بعض الأوساط النافذة في الإدارة الأميركية في اتجاه تهيئة الأجواء للقيام بـ «الضربة».
وهكذا بين أورايلي وهيرش إمكانية أن نجزم بعدم حدوث «الضربة» لنقتنع بحدوثها في الربع ساعة اللاحق. النماذج على حدة تناقض التوقعات المحيطة باحتمال «ضربة ضد إيران» كثيرة، وبالتأكيد لا تتوقف عند أورايلي أو هيرش، وتشمل إضافة إلى الأوساط الإعلامية مراكز البحوث (ثينك تانك) النافذة في واشنطن. تضارب التحليلات يرجع طبعاً، لأسباب متوقعة مثل اختلاف المصادر الإخبارية والأنساق الحجاجية المعتمدة والخلفيات السياسية التي تفرض خطابات متناقضة حسب المقتضيات الدعائية لكل طرف. لكنها ترجع أيضا لسبب آخر يبدو الأهم في هذه الحالة: تفكك التمركز الأيديولوجي والسياسي للإدارة الأميركية، ومن ثم مخزون تصميمها التنفيذي الذي تم استهلاكه في الحرب على العراق.
أستاذ «تاريخ الشرق الأوسط» جامعة روتجرز
tkahlaoui@gmail.com