2008-09-05
يوسف محمد بناصر*
تكمن منهاجية التصديق والهيمنة القرآنية في كونها أساسا مهما في أغلب عمليات المراجعة والتقويم، كما أنها سبيل قويم لممارسة الحوار والتدافع مع مختلف العقائد، وهي كذلك مرجع في وزن كل التصورات والعقائد الإيمانية والسلوكيات الأخلاقية الذاتية أو الغيرية، لاختزانها إمكانية الإحاطة بجوانب الصواب والاختلاف، فتزكي الصالح وتدفع الطالح، وتثبت النافع وتمحو دفعا الزبد الغث الضار.
فعمليات المراجعة العقدية التي جاء القرآن بتأسيسها من خلال نصوصه، كانت دعامة نقدية للعقل الإنساني ومعارفه الغيبية على وجه الخصوص، وقد دافعت عن التصورات القرآنية المستجدة ببرهانية صارمة، كما دفعت بعض عقائد السابقين من أهل الكتاب المحرفة.
إن التصديق القرآني لم يلغ كل عقائد ويقينات السابقين، بل تعامل معها على أساس أن في بعضها ما يستحق التنويه كما أن فيها ما يمكن أن يتبعه المومنون: (إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى) سورة الأعلى/ 18و19 (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل) المائدة/ 34 كما أكد على أن فيها ما حرف وبدل، وانتهكت فيه شريعة النص الأصلي أو الكلام الإلهي: (نحن أبناء الله وأحباؤه) المائدة/ 20 (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني) البقرة/ 77 (يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به) المائدة/ 14، فوجب تجنبها ومدافعتها لأنها لا تتأسس على شرعية نسبتها إلى الله على أية حال.
فتصديق عيسى عليه السلام لما بين يديه من الكتاب: (مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) الصف/ 6، إنما هو تصديق بالتوراة، وشريعته ورسالته مكملة لشريعة موسى عليه السلام فيما احتواه الإنجيل من وصايا، وهما امتداد لشريعة إسرائيل التي انحرف عن أغلبها بنو إسرائيل لطول الأمد عليهم ومعاندتهم لرسلهم، وأما تصديق المسيحية فقد كان بالعهد القديم والعهد الجديد ولا يصح الإيمان المسيحي إلا بالجمع بينهما، وبدورها الديانة الإسلامية لخاتميتها -أو باعتبارها عهدا أخيرا كما يسميه بعضهم-، فقد صدقت وهيمنت على كل الشرائع السماوية السابقة... (مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه) المائدة/ 50، وواقع الهيمنة القرآنية وقوتها تكمن في الإبقاء على الأصلح والاعتراف به، مع تجديد في بعض الفروع أو التأسيس لبعض الأصول أو رفع الغل والمشقة ونسخ ما كان يضيق به صدر المؤمنين من الأحكام: (ما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم) الحج/ 76 (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) البقرة/ 142، ثم لأنها عقيدة خاتمة ومتممة فلا ينبغي لها الإفراط والتشدد ولا التفريط والإخلال، فهي شريعة الديمومة والامتداد، وهي شريعة الوسط لأمة عالمية تمتاز بالوسطية وبالخيرية والخاتمية، فوجب أن تستمر إلى آخر الزمان وتتعالى عن النقصان أو الزيادة والتحريف، مصدقة ومهيمنة، تجمع العقيدة والشريعة، الأخلاق والقيم، كما يعبر عن ذلك حاج حمد -رحمه الله- في مشروعه العالمية الثانية.
أما على مستوى الأفكار والتدافع الحضاري، فإن عالمية الرسالة المحمدية وشموليتها، تفرضان نسقا تفسيريا متماسكا لمختلف الظواهر والأفكار التي تتأسس على هامش الحضارة أو في حضن الثقافة الإسلامية، فمنهاجية التصديق تمنح القدرة على الانفتاح على الأفكار المولودة حديثا، والتعرف عليها وتصديقها بمحاججة صلاحيتها بالمنهاج القرآني الذي يقلب ويبحث مختلف التصورات ويبني الأفكار كما يوجه تداعياتها ومقصودها بمنطقه الذاتي: (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) الرعد/ 19، فيمارس الرقابة والتوجيه، ثم التزكية بصلاحيتها أو مدافعتها بالحجة والحكمة، وهو أسلوب الوحي -عموما- في تقويم الأفراد والعقائد والأفكار والمجتمعات.. وأظن أنه دافع قوي وحافز إيجابي للمؤمن ليعزز يقينيته بربه ويزيد من إيمانيته، ويرسخ عقيدته ويوثقها بعد أن تتوضح له.
أما منهاجية الهيمنة الفكرية فتتضح باستيعاب الوافد الأجنبي وضمه للسياق الإسلامي، لتكون له حقيقة قرآنية وكونية، وهما في الأساس حقيقة واحدة، فلا يجب أن تتعارض الاكتشافات والحقائق العلمية الوافدة مع تصورنا عن الله والكون والإنسان والطبيعة، ولا توقعنا في مأزق التجزئة والمفاصلات، وأظن أنه لابد أن تتقاطع الحقيقة العلمية والعقلية مع حقائق الوحي في انسجام وتماسك، وقد يكون هذا مدخلا آخر للإشارة لمفهوم القراءتين، قراءة الوحي وقراءة الكون، بقراءة الكون بمختلف مكوناته وسننه وضوابطه وحركاته مع قراءة الوحي المسطور بتوجهياته ومقاصده ودعواته وقوانينه.. ثم الجمع بينهما بشكل معرفي ومنهجي متناسق، مما يفتح الباب لبناء معارف جديدة تتكامل فيما بينها، بدون تتضارب يوقع في خرافة ولا مفاصلات توقع في علمنة، مما يعني في الأخير، أن إطلاقية الوحي وتعاليه لا يمنعانه من أن يتناسق ويتقاطع في آن مع النسبي، وقد يهيمن عليه أو يصدق به فقط، فيضيف إليه تعديلات أو توجيهات أو يحفظه كما هو، فيكسب النسبي بذلك من المتعالي بعضا من قوة امتداداته الزمكانية والتاريخية كحقيقة وجودية مستمرة، لأنهما يتقاطعان في الإطلاقية وفي الحقيقة، «ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقينا عذاب النار» سورة آل عمران/ 192..
إن مشكلة الحضارة المعلمنة والمادية تكمن في عدم جمعهما بين التصديق والهيمنة، كمنهج لا يقبل التجزئة، فهي حضارات منفتحة على التاريخ الإنساني، تصدقه وتأخذ منه وتضم إليها محصلاته وتعترف بنتاجه العلمي والمعرفي، ولكنها في نفس الوقت تؤمن بممارسة الفصل الدائم، ولا تؤمن بالمتعالي وحركته وفاعليته في الواقع، فهي لا تجمع بين المطلق والنسبي، بل تقصي الطرف الأول وتتحيز للآخر، فهي منهجيا تفصل وتمنع أي اتصال بينهما، وتعزز وثوقيتها واعترافها بعلمية وحقيقة نتائج المختبر، كما تؤمن بالتجربة المادية لتنفي أية علاقة بين الغيب والإنسان والطبيعة، ويعتبر هذا من التقسيمات التجزيئية المختلة، لأنها تمنع اتصال الأثافي الثلاث التي تتناغم في اتصالها لتنتج معرفة متكاملة وأقرب إلى الحقيقة والعلمية، بحكم طبيعتها الجدلية المتكاملة المركبة، وأما منطق الفصل كما في ظل الرؤية العلمانية والمادية، فلا يكون نتاجهما المعرفي إلا نتاجا غير مكتمل، فيستلزم ذلك التشكك وعدم اليقين كما يكون مضطربا ومختلا، بحكم طبيعته أيضا.
إن منهاجية التصديق والهيمنة تمكننا في تحديد آفاق واسعة للتصديق بالآخر المخالف فكريا وعقديا وعرقيا وأيديولوجيا... لأنها تؤكد قبل كل شيء على الإيمان بالتعدد في المعارف البشرية وإيمانياتها، وإن كل النتاج المعرفي البشري، هي جهود متراكمة ومتكاملة ومتصلة عبر حقب زمانية ممتدة، وكل الناس ساهموا بأقساط مختلفة في بنائه وإخراجه على الشكل الذي وصل إلينا عليه، جيلا بعد جيل، ومراجعة هذا المجهود بالنقد والتوضيح والبناء إنما يزيده ارتفاعا نحو الحقيقة ويساهم في خلق مشترك إنساني كوني.
ويمكن أن يحصل الاختلاف فقط في الإضافات التي يمكن أن يضفيها كل مجتمع أو فرد أو ثقافة عليه، فالمجتمع الإسلامي، مثلا باعتباره مجتمع نص، يفترض فيه أن يستوضح إشكالاته التي تستجد في حضارته ومجتمعه، من خلال التوجيه القرآني الذي يعطي إمكانية مراجعة نقدية وتوجيهية للإنسان المسلم نحو الأزكى والأتقى والأصلح، مما يعطي في الأخير رؤية مختلفة للواقع والنوازل وكيفية تفسيرها بحكم أن النص موجه ومدخل أساسي في كل عملية فهم.
إن منهاجية التصديق والهيمنة لم تعط له الأهمية المستحقة كمفهوم قد تتبلور عنه تصورات ومباحث تقويمية وتوجيهية ونقدية، يمكن تحت ضوئها مراجعة ومعالجة بعض الاختلالات التي يتخبط فيها العقل والمجتمع الإسلامي، وتثوير ذلك المفهوم قد يخلق قطيعة إيجابية مع بعض المفاهيم والمقولات التي أثقلت الثقافة الإسلامية سواء في علم الحديث أو في علم الكلام وعلم العقيدة.. كما يمكن به تحديد علاقاتنا مع -الغير- الغرب المنتج والمصدر الأول للثقافة، وأتصور أن إصلاح مفاهيمنا وتأسيس أخرى سيكون له أفضل الأثر في الدفع بالحركة الثقافية والعلمية في العالم الإسلامي، كما سيساهم، بشكل أو بآخر، في تجديد الفكر الديني، وقد يكون له أكبر الفضل في توليد حركات اجتماعية وثقافية ومدارس فكرية واعية وفاعلة، تؤسس لواقع جديد على أثر الواقع الإسلامي المعاصر المتأزم والمتراخي.
* باحث متخصص في حوار الأديان