2008-09-14
مما لا شك فيه الآن أن الأزمة الاقتصادية الأميركية تبدو أكبر بكثير مما كان متوقعاً لدى الكثيرين. ومنذ أقل بقليل من العام، صدّرت مجلة «الإيكونوميست» (عدد 15 نوفمبر 2007) صفحتها الأولى بعنوان مثير لا يتلاءم مع خطها التحريري الحذر عادة: «الاقتصاد الأميركي الضعيف». واللغة التقريرية التي اتسم بها تحليل «الإيكونوميست» آنذاك صدمت البعض، لكن مثلما تم التشديد في الأخير لا يبدو من السهل توقع أزمات اقتصادية كبيرة في الولايات المتحدة. تم التذكير بتوقع «جمعية هارفارد الاقتصادية» العريقة قبيل أزمة 1929، عندما أرسلت للمشتركين فيها بشكل جازم «أزمة قوية تبدو خارج التوقعات». وكذلك هو الشأن مع توقعات معظم الخبراء الاقتصاديين العام 2000 عندما توقعوا محدودية فترة الانحسار الاقتصادي في الوقت الذي تفاقمت فيه إثر ذلك مباشرة.
المعطى الأساسي الذي ميز توقعات «الإيكونوميست» وجعلها أكثر تشاؤماً كان بالتحديد عدم ثقتها في مردودية ما تبقى من الصناديق الائتمانية السكنية التي انهار غالبها دفعة واحدة بين ربيع وصيف العام 2007. وفي الوقت الذي بدت فيه السوق مستقرة، لاحظت «الإيكونوميست» استمرار هبوط نسبة الاستثمار السكني. بالإضافة إلى ذلك، بدا جمود نسب الاستهلاك مثيراً للقلق حتى مع نمو اقتصادي فاق %3. وهو ما كان يعني تزايد تعقيد وضع الاستثمار السكني. الارتفاع المتسق لأسعار النفط كان المؤشر الآخر على محدودية احتمالات تزايد نسب الاستهلاك.
الصناديق الأساسية التي تبقت في المشهد الائتماني السكني عند صدور توقعات «الإيكونوميست» في خريف 2007 كانت الشركتين الأكثر ثقة في السوق، «فريدي ماي» (Freddie Mae) و«فريدي ماك» (Freddie Mac). وعندما قررتا في ربيع 2008، في سياق مغامر لتنشيط السوق والذي كان السبب في انهيار الصناديق الائتمانية الأخرى، تخفيض مقاييس إسناد القروض شن مسؤولو الإعلام فيهما حملة مركزة للتأكيد على غياب المخاطرة في قرار ممثل. غير أن ما كان خافياً عن العيان آنذاك هو التراجع الكبير في ثقة المستثمرين، المتكونين أساساً من بنوك آسيوية، في أسهم الشركتين. ولم يتم استدراك مستوى الثقة حتى عندما حاول الكونغرس طمأنة المستثمرين بأنه سيتدخل لدعمهما. وهكذا، لم يكن الصيف الملتهب الأسعار والذي زاد في صعوبات المقدرة الشرائية إلا الوقتَ اللازم لانكشاف هزال المقترضين الجدد للشركتين، ومن ثمة النذير بسقوط ما تبقى من الاقتراض السكني في الولايات المتحدة.
تدخل وزارة المالية الأميركية من خلال ضخ الموارد المالية الفيدرالية لدافع الضرائب الأميركي في الشركتين حاز الإجماع ودعمته مختلف الأطراف. إذ لم يكن من الصعب توقع الانهيار المالي الواسع في حالة انهيار «فريدي ماي» و«فريدي ماك». لم يكن ذلك التصديق الوحيد لتوقعات «الإيكونوميست». في نفس عدد ذلك الخريف، أشارت الأخيرة أيضاً إلى أرقام تبرز الهزال المالي للقوى الاقتصادية «الصاعدة»، خاصة منها الآسيوية، وهو ما يعني عجزها عن امتصاص أي صدمة تصيب الاقتصاد العالمي في حال انهيار السوق المالية الأميركية. وبمعنى آخر، لا يزال هناك شعور طاغٍ بأن ضمان استقرار الاقتصاد الأميركي شرط أساسي لضمان استقرار الاقتصاد العالمي. وهكذا، لم يكن من المستغرب أن تقفل الأسواق المالية الرئيسة في العالم معاملاتها يوم الاثنين الماضي (8 سبتمبر) بمعدلات أكثر ارتفاعاً إثر إعلان قرار وزارة المالية الأميركية مساء الأحد.
إذن، الأزمة الاقتصادية الأميركية لا تبدو قصيرة الأمد. ومثلما أشارت افتتاحية «نيويورك تايمز» في ذات يوم الاثنين، فإن تدخل المال الفيدرالي قرار استعجالي ضروري غير أنه ليس الحل. للأزمة الراهنة عوامل سياسية لا يمكن التغافل عنها. كانت الحصيلة الاقتصادية السلبية لعهدتين متواصلتين لإدارة الرئيس بوش نتاجاً، من جملة عدد من العوامل الظرفية والبنيوية، لفلسفة اقتصادية جمهورية ترفع أدوات الرقابة الفيدرالية والتشريعية عن الشركات الكبرى. وهكذا مع الأزمة البطيئة التي تزامن بدؤها مع دخول الرئيس بوش إلى البيت الأبيض وسيطرة الجمهوريين على الكونغرس، تم إفساح المجال لمختلف الشركات الائتمانية لكي تغامر بشكل فوضوي نحو اكتساح أكبر عدد ممكن من المقترضين مقابل تخفيض مقاييس الائتمان، وهو ما ضاعف من مخاطر العجز عن سداد الديون. وكان المجال الأكثر خطورة لهذه المعادلة المختلة مجال الاقتراض السكني بسبب اتساعه الكمي.
كانت ستكون هناك أزمة بإدارة جمهورية أو بدونها، غير أن الأخيرة ساهمت في مفاقمتها. وطبعاً لم يساهم في تجاوز الأزمة هبوط قيمة الدولار وارتفاع أسعار الطاقة التي ترجع أيضاً جزئياً لسياسات نفس الإدارة التي أضرت بالاستقرار في منطقة استراتيجية للطاقة العالمية كما هي المنطقة العربية. ولعل المؤشر الاقتصادي الأكثر خطورة في الحصيلة الاقتصادية لعهدة إدارة الرئيس بوش مديونيتها القياسية والتي ترجع، من دون كل القوى الدولية، إلى القوى السياسية الأكثر منافسة لنفوذها. إذ من بين المقرضين الكبار للولايات المتحدة كل من الصين وروسيا.
وهكذا من بين كل التداعيات الممكنة للأزمة الراهنة، سيكون من المستغرب أن أحدها خسارة أوباما لاستطلاعات الرأي أمام غريمه الجمهوري ماكين، رغم أن الأخير يبعث بما يكفي من المؤشرات الدالة على رغبته في الاستمرار في سياسات الإدارة الجمهورية المغادرة. ومثلما أشارت نتائج الاستطلاعات المنشورة هذا الأسبوع، كان للأداء الانتخابي المثير للجدل لسارة بالين المرشحة الجمهورية لموقع نائب الرئيس دورٌ في رفع أصوات ماكين، خاصة بين صفوف نساء البيض. وحتى شعار «التغيير» الذي تميزت به حملة أوباما نجح ماكين في تعويمه من خلال تبنيه. يذكّر ذلك بإحدى الحقائق الأكثر إيلاماً في أي سياق انتخابي أميركي، فمثلما أشار توماس فريدمان في مقاله الأسبوعي في «نيويورك تايمز» (10 سبتمبر) فإن الانجذاب العفوي المؤقت بعيداً أحياناً عن التفاصيل والحقائق هو ما يحدد التفوق الانتخابي. بالرغم من حروب الإدارة الجمهورية المتأزمة وحصيلتها الاقتصادية الضعيفة، تبرز المفارقة السياسية عبر استطلاعات الرأي: المنافسة الجدية المتصاعدة بل المتفوقة أحياناً للمرشح الجمهوري.
• أستاذ «تاريخ الشرق الأوسط» بجامعة روتجرز