2008-09-28
في الأسابيع الأخيرة بدأ يظهر نقاش أكثر صراحة وحيوية في بعض الأقطار العربية حول موضوع الحجب أو الرقابة. يجذبني بشكل خاص النقاش الدائر في تونس، إثر حجب متقطع للشبكة الاجتماعية الافتراضية الأولى في العالم «فيس بوك» (Face book) والتي لاقت رواجا كبيرا بين مستعملي الإنترنت التونسيين في الأشهر القليلة السابقة. الحجب الظرفي الذي دام بضعة أيام بعد اضطراب في الدخول إلى الموقع، أدى إلى رد فعل غير مسبوق بين المشتركين التونسيين في «فيس بوك» وحالة من التجند الطوعي الذي مس قطاعات غير مسيسة في اتجاه رفض الحجب. كان ملفتا للانتباه بشكل خاص طرح الموضوع ضمن الفضاء الإعلامي السائد (mainstream) مثل صحيفة «لو توم» وموقع «بيزنس نيوز» الناطقين بالفرنسية.
ردة الفعل كان يجب أن تكون متوقعة بعد حالة من التذمر المتصاعد بين مستعملي الإنترنت التونسيين إزاء حجب متزايد لمواقع واسعة الرواج، بما في ذلك موقعي نشر مقاطع الفيديو «يوتيوب» و «دايلي مووشين». إذ في الوقت الذي كان فيه الحجب يمس مواقع تصفح إخبارية يستعملها بعض من النخبة السياسية، فإنه أصبح يمس مواقع يتصفحها المستعمل غير المسيس. تزايد أصحاب المدونات وما ترافق مع ذلك من حجب بعض المدونات تراكم في اتجاه حشد مستعملين للإنترنت من خارج السياقات السياسية، وهو ما أدى من جملة ما أدى إلي إنشاء مدونة جماعية «ضد الحجب» (كانت بذاتها رمزا مضادا لفاعل الحجب حيث تعرضت إلى حجب متكرر برغم تغيير عنوانها وأحيانا كان الحجب يتم في أزمان قياسية). اتساع مساحة الجمهور المحجوب مع الحجب الظرفي لموقع «فيس بوك» كانت الخلفية التي صنعت ضجيجا واسعا. وفي هذا الإطار صدر خبر غير مسبوق أعلن فيه بصيغ رسمية «تدخلا رئاسيا» لتجاوز قرار حجب موقع «فيس بوك» تم نشره في الكثير من الصحف المحلية.
في سياق النقاش الدائر لفت انتباهي ما يمكن توصيفه بالخطاب التبريري بين بعض الأوساط الإعلامية القريبة من الموقف الحكومي. يقوم هذا الخطاب بشكل صريح (يستحق الترحيب على كل حال) بالتبرير لما هو قائم من دون الانتباه لهشاشة أسسه ومحدودية فاعليته. يقع مثلا نقد العناوين «التعميمية» للحرية مقابل إعلان عناوين مماثلة في تعميميتها لتبرير ما هو قائم من قبيل: «الرقابة والتدخل أحيانا بالمنع ليس بدعة في عالم الإنترنت». ويقع في هذا الإطار عقد مقارنات مع الظرفية الأميركية حيث يقول: «لما وجد موقع (يوتيوب) الشهير أن بعض التنزيلات على صفحاته قد تمثل تهديدا لأمن قوات الاحتلال الأميركي في العراق قرر حجب ومنع هذه التنزيلات» ومن ثمة فإن «كل بلد يدافع عن مصالحه ولا معنى لأي حديث مطلق عن الحرية قد يصلح للمزايدة ولكنه لا يقنع غير المغفلين». يقع أيضا الحديث عن ضرورة مواجهة «الشتيمة» و «الإساءة» وغيرها من المصطلحات التقديرية وحمالة الأوجه.
بدءا سيكون من الصعب الامتناع عن اعتبار الخطاب «التحرري» (libertarian) الداعي إلى حجب الحجب بشكل إطلاقي خطابا سرياليا، سواء من حيث إمكانات تطبيقه أو من حيث المساحة الاجتماعية المستجيبة له بما في ذلك في أكثر الديمقراطيات الحديثة قدما (أفكر هنا في المثال الأميركي حيث توجد أكثر التيارات «التحررية» عراقة سياسيا وإيديولوجيا يبقى أنها الأقل تأثيرا). ولا يمكن التشكيك أيضا في وجود نزعة «تحررية» من النوع الساذج أصبحت تشكل الخطاب السياسي، عن وعي أو غير وعي، لمعارضات محدودة الفاعلية ليس لها أحيانا الكثير من الخيارات سوى تصعيد الضغط الكلامي على حكومات تمارس سياسات غير إدماجية (non inclusive).
إذن ليست عناوين «عقل» أو «منطق» أو «مصالح» الدولة في ذاتها هي ما يشكل مأزق الخطاب التبريري. تبريرية ولا عقلانية الطرح المذكور أعلاه تكمن في تعريفه التعويمي للدولة. سنتجاوز مضيعة الوقت في هذا الجدال عندما نتحلى بجدية فكرية أكبر ونتذكر أن أي مجال سياسي تأسس على عقد اجتماعي وسياسي يتشكل تاريخيا عبر مؤسسات تمثيلية سيفرز ضرورة مقاربة مختلفة، لنقل عن مجال ليس له عقد مماثل، في طريقته لتحديد «مصالح» الدولة. فالدولة غير الإدماجية تحدد «المصلحة» و «منطقها» من زوايا لا تمثل ضرورة القطاعات المتنوعة المشكلة لذلك الفضاء. لا يقع تعريف «مصالح» الدولة بمعزل عن طبيعتها وتحديدا في علاقة بمدى تمثيليتها وتعبيرها المؤسساتي عن عقدها الاجتماعي. في هذا الإطار سيكون من التهافت مقارنة الطريقة التي تم فيها تعريف «مصالح» الدولة في السياقين الأميركي والعربي. حجب «يوتيوب» الذاتي ليس هو الخبر الذي يستحق الاهتمام عند استحضار السياق العربي، بقدر ما هي ميكانيزمات هذا الحجب، بما في ذلك حدوثه ضمن حوار مفتوح وفي إطار تجاذب للقوى بين مؤسسات تشريعية ومنظمات غير حكومية. الضغط السياسي غير الجبري الذي أحاط بالقرار الأحادي لـ «يوتيوب» لا يمكن مقارنته بوضعيات يتم فيها الحجب عبر لوحة أزرار مجهولة المكان والهوية.
حتى لا نسقط في اللاتاريخية، لا يمكن أن نتمثل تشكلا لحالة تتجاوز «الحجب السياسي» خارج سياقات المكان والزمان. الإرادوية السياسية كانت دائما المرض الطفولي للحركيين الديمقراطيين. ومنذ الأمثلة الرومانية حتى تلك الحديثة البريطانية والأميركية والفرنسية، مرت ممارسة الحجب وممارسة تحديد الحجب عبر مسارات عقلنة ومأسسة واحتجاب كانت جزءا من مسارات التشكل الديمقراطي. وهكذا مر الحجب من مكانة المؤسسة الاعتبارية المشكلة للسلطة المعنوية للدولة إلى التواري بشكل متزايد إلى الحد الذي أصبح فيه حدوثه ضمن أخبار الفضائح. تاريخ الحجب في مثل هذه السياقات كان تاريخ تحوله من المشروعية الأخلاقية إلى الضرورة المحدودة تشريعيا وديمقراطيا. غير أن الإقرار بهذه المرجعيات الواقعية لا يعني أننا يجب أن نقبل منطق «إما أبيض وإما أسود» الميكانيكي، خاصة أن هشاشة وضع «الحجب السياسي» القائم بدأت تتكشف مع الاضطراب الحاصل خاصة مع مؤشرات خلال الأسبوع الماضي على رفع ظرفي للحجب عن موقعي «يوتيوب» و «دايلي مووشين».
بالإضافة إلى الإطار الديمقراطي العام، فإن منظومة الحجب القائمة تطرح متاهات حقيقية تحجب المسؤولية. الطابع السري وغير الشفاف لآليات الحجب (انظر في التفاصيل التقنية مقالات سامي بن غربية في (Global Advocacy Online) يفرض كخطوة أولى الاعتراف بممارسته حتى تمكن مأسسته وعقلنته، ومن ثمة احتجابه خلف التوازنات العفوية لحياة ديمقراطية جدية. وهو ما لا يمكن أن يتم بمجرد التصويت الأحادي على «منظومة قانونية» خاصة ضمن تصورات يمكن أن تستحدث خانة «المرض النفسي» كتسمية أخرى للتعبير المخالف.
بوادر النقاش الراهن مشجعة حتى لو تخللها خطاب تبريري في بعض الأحيان. يكفي أن هناك دعوة للاعتراف بالحجب. غير أننا نحتاج حتما تجاوز التبرير نحو التفسير ونحو حوار أكثر شفافية وتنوعا.