2008-10-12
لا يزال يفصلنا أقل من شهر على الموعد الانتخابي الرئاسي الأميركي. ربما يبدو للبعض أنه لم يبق الكثير من الوقت، لكن مثلما كرر كارل روف (Karl Rove)، كبير مستشاري الرئيس بوش سابقا والذي كان وراء تكتيكات فوزه لمرتين متتاليتين في معركة الرئاسة، فإنه يمكن أن «يحدث الكثير» في بضعة أسابيع (ذكر روف ذلك في موقعه الإلكتروني الأسبوع الماضي ثم في صحيفة «وول ستريت جورنال» 9 أكتوبر. فرغم الفضائح المحيطة به، استرجع روف حضوره الإعلامي في سياق اشتداد التنافس بين ماكين وأوباما).
غير أنه بدون شك هناك قلق «جمهوري» متصاعد في الأسابيع الأخيرة بناء على استطلاعات الرأي التي تنشر بكثافة الآن. فهذا موسم الاستطلاعات بامتياز. وبرغم كل الشكوك التي يمكن أن تحيط بطريقة إنجازها، إلا أن تقارب نتائجها وتاريخ التناسق بينها وبين النتائج الفعلية للانتخابات يجعلها تساعد على القيام بتخمينات جدية حول مسار الانتخابات الراهنة (من بين أهم المواقع التي تقدم عرضا شاملا ووقتيا لاستطلاعات الرأي: FiveThirtyEight.com وPollingReport.com).
القلق «الجمهوري» المتزايد ليس ناتجا من التفاوت بين المرشحين على مستوى استطلاعات الرأي «الوطنية»، أي التي تقدم نسبا تغطي كل الولايات الأميركية، إذ حافظ أوباما على تفوق طفيف على ماكين منذ أواخر الربيع الماضي، غير أنه يبقى تفوقا إشكاليا بما أنه لم يتجاوز كثيرا الأربعة في المئة التي تمثل نسبة الخطأ المعتادة لاستطلاعات الرأي. لكن النسب العامة «الوطنية» أيضا لا يمكن أن تمثل المؤشر الرئيس على مسار السباق الانتخابي الأميركي. ففي إطار التشكل التاريخي للبنية الفيدرالية للدولة، لا تحسم الانتخابات الأميركية وفقا لنسب عامة أو «التصويت الشعبي» (popular vote) بل حسب نظام معقد لـ «الأصوات الانتخابية» (electoral votes) التي يحصدها كل فائز في كل ولاية على حدة («الأصوات الانتخابية» تختلف حسب عدد سكان الولايات نسبة إلى مساحتها. فمثلا، من يفوز في ولاية كاليفورنيا يحصل على 55 صوتا انتخابيا مقابل 3 أصوات لولاية فيرمونت). عندما يحصل أي مرشح على «الرقم السحري» المتمثل في 270 «صوتا انتخابيا» (كحد أدنى من بين 538 صوتا إجمالا) فإنه يضمن بشكل آلي تفوقه في النتيجة النهائية.
الخريطة الانتخابية الأميركية تعرف إلى حد كبير استقرارا وثوابت تاريخية، إذ هناك «ولايات زرقاء» (blue states) أو «ديمقراطية»، كما أنه هناك «ولايات حمراء» (red states) أو «جمهورية». يتعلق هذا الوضع بالتاريخ الثقافي وتاريخ الذهنيات الذي يصعب أن يشهد تغييرات جوهرية من دون مرور وقت طويل. فمهما كانت الظروف، من المستحيل (تقريبا) أن نتوقع توجه أصوات ولاية نيويورك للمرشح «الجمهوري»، كما لا يمكن أن نتوقع توجه أصوات ولاية تكساس إلى مرشح «ديمقراطي».
غير أن هذه الثوابت التاريخية لا تعني حدودا واضحة بين المجالات «الديمقراطية» والأخرى «الجمهورية». وهكذا هناك الولايات المتموقعة على تخوم الطرفين وتحظى عادة بتنافس قوي (toss up states) مثل ولايتي ميتشيغان وبنسلفانيا. وحتى شهر أغسطس الماضي فإن الأخيرتين كانتا تعرفان إما تقدما لصالح ماكين أو تنافسا شديدا بين المرشحين الرئاسيين. المعضلة الأساسية التي كان يعاني منها أوباما، ولا يزال في بعض المواقع العمالية للبيض والريفية أيضا، هي لون بشرته، وهو الأمر الذي أصبح منطوقا في بعض الأوساط كلما تقدمنا أكثر نحو الانتخابات. غير أنه مع منتصف شهر سبتمبر وتكاثف الأخبار الاقتصادية السيئة، بدأ الميزان يميل بسرعة نحو أوباما في هاتين الولايتين. ومع بداية شهر أكتوبر، قرر فريق حملة ماكين إغلاق مقار حملته في ميتشيغان (يتفوق أوباما حسب استطلاعات نهاية هذا الأسبوع بـ 16 نقطة في هذه الولاية)، في حين يتفوق المرشح «الديمقراطي» على ماكين في بنسلفانيا حسب آخر استطلاعات الرأي بفارق 14 نقطة.
لكن مع بداية الأسبوع الأخير أصبح الوضع أكثر سوءا، إذ بدأت الخريطة «الجمهورية» بالانكماش حتى في أماكن لم يكن من الممكن توقع انكماشها بأي حال قبل أسابيع قليلة فقط. وتتالت المفاجآت بشكل مدوٍّ عندما أصبحت «ولايات حمراء» (تاريخيا)، مثل ولايتي فرجينيا ونورث كارولينا، ليست محل تنافس قوي فحسب بل أصبحت محل تفوق كبير لمصلحة أوباما (حسب استطلاعات آخر هذا الأسبوع يتفوق أوباما في فرجينيا بـ 8 نقاط وفي نورث كارولينا بـ 5 نقاط). وفي هذا السياق كانت العصبية التي أبداها ماكين في السجال الرئاسي الثلاثاء الماضي وما ترافق معها من أخطاء امتدادا للأجواء العصبية التي تمر بها حملته. ومن ثم ساهم السجال نفسه في تعميق الجراح «الجمهورية». وهكذا تتفق مختلف الاستطلاعات الأخيرة أن أوباما سيربح الانتخابات (يحصل على «الرقم السحري» 270 صوتا) إذا تمت الانتخابات الآن، وذلك حتى إذا فاز ماكين بولايات ما زالت تشهد تنافسا شديدا بين الطرفين.
طبعا مثلما قال روف، هناك الكثير من الأحداث التي يمكن أن تحصل، غير أن من المؤشرات الأساسية التي تحيل على الصعوبات التي تعيشها حملة ماكين استنزاف مصادره المالية الانتخابية في «ولايات حمراء» كان من المفترض أنها محسومة لمصلحته. ومن المفارقات أن التفوق المالي لحملة أوباما يستفيد من أجواء الذعر التي تخلقها الأزمة المالية العامة.
أصبح من البيّن أن النقاش حول مصير الانتخابات الأميركية مرتبط بشكل حاسم بتطورات الأزمة الراهنة، كلما تفاقمت الأزمة كلما تزايدت فرص أوباما لحسم الرئاسة لصالحه. وفي هذا السياق، وحتى أستبق تطورات الأسبوع القادم، يجب أن أؤكد على أننا ندخل مرحلة جديدة يبدو فيها في أقل الأحوال النقاش حول تأميم جزئي أو حتى شامل للنظام المصرفي الأميركي أمرا منتظرا. لم تحقق الطروحات «النيوكينزية» كما دافع عنها اقتصاديون مؤثرون مثل جوزيف ستيغليتز وبول كروغمان في الأسابيع التي سبقت خطة «الإنقاذ المالي» تأثيرا على فلسفتها العامة. لكن، -في ظل استمرار تدهور الأسواق المالية أميركيا ودوليا، ومع تبني الحكومة البريطانية خطة تأميم جزئية ولكن ضخمة، وكذلك مع الرجوع القوي للحديث عن «النموذج الشمالي» (the Nordic model)، في إشارة للطريقة التي عالجت بها دول الشمال الاسكندنافي أزمتها في التسعينيات، كتجربة ناجحة كان خلالها التأميم البنكي مرحلة انتقالية لاسترجاع الأسواق المالية أنفاسها- مع كل ذلك لم يعد من الممكن تجاهل البدائل «النيوكينزية» التي أضحى على رأسها بديل التأميم.
مع كل الذعر والاستهجان الذي يمكن أن تجلبه إلى الذهنية النيوليبرالية التي سادت طويلا الولايات المتحدة، فإن كلمة التأميم، وليس مجرد التنظيم والمراقبة، ستكون الكلمة المفتاح في نقاشات الأسابيع القادمة. وهكذا كلما تباطأت الإدارة «الجمهورية» الحالية في إبراز التزام جدي لحل الأزمة، بما في ذلك طرح بديل التأميم، فإن فرص تفاقم الأزمة في ازدياد، ومعها فرص نجاح أوباما.
كارل روف محق تماما: إذا لم «يحدث الكثير»، فإن المؤشرات «الديمقراطية» لاستطلاعات الرأي الراهنة لن تتغير.