2008-10-19
ما زالت الخطوط العريضة التي أشرت إليها نهاية الأسبوع الماضي («العرب» 12 أكتوبر) مستمرة مع نهاية هذا الأسبوع. خاصة فيما يتعلق بالصعوبات التي يعاني منها الفيل «الجمهوري» الذي تتثاقل خطاه كلما اقتربنا من موعد الرابع من نوفمبر. لنرجع للتمعن في استطلاعات الرأي الأخيرة التي هي ليست مجرد أرقام، خاصة أنها بصدد ترك أثر كبير على الاستراتيجيات المتبعة في حملتي أوباما وماكين:
أوباما حافظَ على -وأحيانا وسّع- الفارق بينه وبين ماكين في الولايات التي تتصف تاريخيا بـ «التأرجح» (toss up states) بين «الديمقراطيين» و «الجمهوريين». لكن هذه الولايات أنواع، إذ منها ما هو متأرجح عادة في اتجاه «الديمقراطيين»، وأخرى متأرجحة في اتجاه «الجمهوريين».
لنبدأ بالولايات «المتأرجحة» التي تميل أكثر إلى «الديمقراطيين»، والتي يحتاجون للانتصار فيها حتى يمكن لهم المنافسة بقوة على المقعد الرئاسي. في نيوهامشير، حافظ أوباما على فارق أكبر من %5، وفي بنسلفانيا اتجهت النسب للارتفاع من حوالي %11 إلى حوالي %15. في مينيسوتا سجل أوباما ارتفاعا أكبر، حيث انتقلت النسب من %1 إلى %11. في ويسكونسون سجل ارتفاعا مماثلا بانتقال نسب تفوقه في الاستطلاعات من %10 إلى %17. لكن كل هذه الولايات كان قد فاز بها جون كيري في انتخابات عام 2004، غير أنه لم يحسم الانتخابات، إذ خسر كيري «ولايات متأرجحة» أخرى تميل عادة إلى «الديمقراطيين»، مثل أيوا التي يتقدم فيها أوباما الآن منذ أشهر، ويحافظ على نسبة تفوق %10 حسب الاستطلاعات الأخيرة.
المثير أن ماكين كان يأمل، حتى الأيام الأخيرة من هذا الأسبوع، في التنافس بقوة على هذه الولايات حتى يقطع الطريق أمام أوباما بشكل مبكر. وعلى سبيل المثال، توجهت حملة ماكين مع نهاية الأسبوع الماضي (بما في ذلك زيارات مكثفة من قبل ماكين وبالين) بقوة نحو بنسلفانيا (التي تحوز على عدد كبير نسبيا من «الأصوات الانتخابية»)، وخاصة ضواحي مدينة فيلادلفيا، لمغازلة أصوات الفئات العمالية من البيض أملا في جذب أصوات الناخبين «الديمقراطيين» الذين صوتوا بقوة لهيلاري كلينتون في الانتخابات التمهيدية لـ «الديمقراطيين». أدى ذلك إلى هجوم معاكس من قبل أوباما الذي قضى نهاية الأسبوع في حملة مكثفة في فيلادلفيا ومحيطها، إذ يعرف أن مشاركة واسعة في المراكز الحضرية لبنسلفانيا سيحسم أصوات الولاية لصالحه. ونتائج الاستطلاعات تشير بوضوح إلى أن أوباما لا يتقدم في المراكز الحضرية لبنسلفانيا فقط، بل أيضا في أوساط الضواحي التي تتركز فيها الفئات العمالية والطبقة الوسطى من البيض (وقد شهدتُ بنفسي حجم الحماس الكبير والمتعدد الأعراق المؤيد لأوباما في فيلادلفيا ومحيطها خلال عطلة نهاية الأسبوع).
كل هذه المؤشرات حدّت من طموحات حملة ماكين، إذ كشف كارل رووف، الذي يتابع من بعيد، في مقال في «وول ستريت جورنال» (16 أكتوبر) أن لديه معلومات عن تراجع ماكين عن المنافسة في هذه الولايات التي تميل إلى «الديمقراطيين»، خاصة (وكما أشرت الأسبوع الماضي) أنه في حاجة الآن للدفاع عن ولايات كانت تبدو خلال السنوات الأخيرة، بل وحتى أشهر قليلة حصونا قوية لـ «الجمهوريين».
لنتمعن الآن في «الولايات المتأرجحة» التي تميل أحيانا إلى «الجمهوريين»، والتي يحتاجون إلى الظفر بها حتى يحافظوا على أمل المنافسة على المقعد الرئاسي. من بين أهم هذه الولايات تبرز فلوريدا كأحد الأمثلة على الاتجاه القوي الآن بين الناخبين لمصلحة أوباما. فلوريدا التي كانت حاسمة في فوز الرئيس بوش لمرتين متتاليتين يقع نعتها في بعض الأحيان بـ «الولاية الحمراء»، خاصة أن حاكمها يتم انتخابه عادة من بين «الجمهوريين». وحسب آخر استطلاعات هذا الأسبوع، تستقر الأرقام أكثر فأكثر بين %5 و%8 لصالح أوباما بعدما كانت نسب تفوقه لا تتجاوز %3 في الأسبوع السابق. تجب الإشارة أن ماكين كان يحافظ على تفوق واضح هناك طوال الصيف وحتى منتصف شهر سبتمبر.
ولاية أخرى «متأرجحة» لكن تميل عادة إلى «الجمهوريين» هي ولاية كولورادو، والتي اتجهت هذا الأسبوع بشكل واضح لمصلحة أوباما، حيث استقرت النسب بين %6 و%10.
لكن تفوق أوباما، مثلما أشرت الأسبوع الماضي، انتقل إلى ولايات لا يمكن توقع ميلها بأي شكل من الأشكال إلى «الديمقراطيين»، إذ كانت أصواتها تاريخيا وبشكل منتظم من نصيب «الجمهوريين»، وعلى رأسها ولاية فرجينيا التي استقر فيها تفوق أوباما هذا الأسبوع بين %6 و%9. نفس الشيء في ولاية «حمراء» أخرى مثل ميسوري، حيث تنقل استطلاعات هذا الأسبوع تفوقا غير مسبوق لمصلحة أوباما بين %2 و%8. أوباما بدأ المنافسة بقوة أيضا في ولايات «حمراء» أخرى مثل أوهايو (يتفوق حسب بعض الاستطلاعات بنسبة %5) ونيفادا (يتفوق بنسبة %3)، بالإضافة إلى نورث كارولينا (يتفوق بنسبة %2). المعضلة الحقيقية هنا ليست في إمكانية فوز أوباما في هذه الولايات فحسب (يمكن لماكين أن يسترجع تفوقه فيها خاصة بعد التوجه المحتمل مع نهاية هذا الأسبوع لتركيز حملته فيها)، لكن المعضلة هي حصر حملة ماكين في استراتيجية دفاعية في ولايات كان من المفترض أنها محسومة، وكذلك بميزانية انتخابية أقل من أوباما. إذ يتفوق أوباما في مصاريف حملته على ماكين بنسبة 4 إلى 1 في ولاية فرجينيا، وبنسبة 3 إلى 1 في ولاية فلوريدا. وهذه الاستراتيجية الدفاعية والحاجة لكسب النقاط بسرعة هي التي تفسر التوجه التهجمي والعصبي لحملة ماكين، وبُعدها عن جوهر مشاغل الناخب الأميركي الراهن، أي الموضوع الاقتصادي، الأمر الذي تجلى في المناظرة الرئاسية الثالثة والأخيرة بينهما الأربعاء الماضي.
أختم مرة أخرى بموضوع الأزمة المالية والاقتصادية. كنت قد أشرت الأسبوع الماضي إلى أن كلمة «التأميم» ستصبح كلمة السر الجديدة في واشنطن، وهكذا أعلنت الأجهزة الفيدرالية مبكرا يوم الإثنين «تأميما جزئيا» (تم تغليف الكلمة في بعض المنابر بكلمات أخرى أكثر حريرية لا تخدش الشعور النيوليبرالي، مثل «حقن رأس المال»). يجب أن أضيف أن هذا الأسبوع كان «نيوكينزيا» بامتياز. بول كروغمان الذي كثيرا ما أبرزت مساهمته النوعية في الترويج للرؤى «النيوكينزية» في الأسابيع الأخيرة لمجابهة الأزمة (والذي كان الاقتصادي الأول الذي نبه للخطورة الكبيرة للرهون العقارية) حصل على «جائزة نوبل في الاقتصاد». كروغمان و «النيوكينزي» الآخر الذي لا يقل تأثيرا، جوزيف ستيغلتز، أكدا بشكل متناسق هذا الأسبوع على الطبيعة الاقتصادية للأزمة، ومن ثم عدم إمكان تجاوز تأثيرها السياسي المباشر في الأسابيع القادمة. التقرير الفيدرالي الذي تم إعلانه مع منتصف الأسبوع، والذي أكد على «ضعف الاقتصاد» وليس السوق المالية فحسب، يذهب في نفس الاتجاه. هذه، بكل تأكيد، أخبار سارة لحملة أوباما التي لم تكن لتصل للعافية التي عليها الآن من دون ظرف الأزمة.
المعركة الانتخابية لم تحسم بعد، غير أنه، ومثلما ذكّرنا كارل رووف هذا الأسبوع، لم يستطع أي مرشح للرئاسة أن يرجع في الاستطلاعات قبل أسابيع قليلة من الانتخابات منذ هاري ترومان عام 1948، قبل نصف قرن بالتحديد. حقق ترومان تلك «المعجزة» بفضل حملة مكثفة جاب فيها الكثير من المناطق الريفية عبر القطار (whistle stop train tour)، وهو الأسلوب الذي جعله ينجح في حشد أعداد كبيرة من الناخبين المتحمسين في اجتماعاته الخطابية. وإذا أردنا مقارنة ذلك مع الوضع الراهن، فإن حملة ترومان تشبه إلى حد كبير حملة أوباما وليس حملة ماكين.
• أستاذ «تاريخ الشرق الأوسط» بجامعة روتغرز