الكاتب الذي نذر حياته لأدب الأطفال وقُتل مع أطفاله
2008-11-05
محمد م. الأرناؤوط*
في كل زيارة لكوسوفو منذ 1999، أي بعد أن أُجبرت القوات الصربية على الانسحاب من هناك، يعود المرء بشجون جديدة بسبب ما يسمعه ويراه ويعايشه عن آثار المجازر الجماعية التي ارتكبتها القوات الصربية هناك خلال 1998-1999. فلا تزال تكتشف من حين إلى آخر مقابر جماعية، ولا تزال صور المفقودين معلقة في الشارع الرئيسي للعاصمة، ولا تزال تصدر من وقت إلى آخر كتب توثق بالصور والشهادات المآسي التي حصلت. ومن هذه المآسي لدينا ما حصل مع الكاتب عمر الشاني Ymer Elshani، الذي كان من أشهر الكتّاب في مجال أدب الأطفال والذي انتهت حياته مع أولاده الأربعة وزوجته ووالدته بشكل مروع في أبريل 1999. وقد صدر قبل عدة أسابيع في بريشتينا كتاب للباحث د.جواد سيلا بعنوان «كون الخير- حياة وأعمال عمر الشاني» الذي خصصه لدراسة كل أعماله الأدبية للأطفال بالإضافة إلى فصل خاص عن مأساته المروعة.
وُلد عمر الشاني في قرية قرب مدينة غلوغوتس بقلب كوسوفو في 14 يونيو 1948 في أسرة فلاحية فقيرة. وبعد إكماله المدرسة الثانوية التحق بمدرسة المعلمين في بريشتينا حتى يتوجه مبكراً للعمل في التعليم ويساعد أسرته، ثم تابع دراسته في قسم اللغة الألبانية وآدابها في جامعة بريشتينا. ومنذ أن كان تلميذاً تفتحت مواهبه للكتابة وأخذ ينشر أشعاره الأولى في المجلات، المتخصصة للأطفال مثل «غزيمي» و»فاتوسي» بينما نشر ديوانه الأول «سفينة الصداقة» قبل أن يتم العشرين (بريشتينا 1967).
وقد تصادف حين ذهب للدراسة في بريشتينا أن استأجر غرفة في بيت الكاتب نبيل دوراكو، الذي كان كاتباً معروفاً آنذاك، كما أن أستاذه في مدرسة المعلمين كان الكاتب المعروف للأطفال رجب خوجا، الذي أثر كثيراً في توجهه للأدب.
وبعد تخرجه من الكلية عين في المدرسة الثانوية «إسكندر بك» في مدينة غلوغوتس، حيث برز كمدرس مخلص ومحبوب بين طلابه، ولذلك فقد اختير أيضاً مديراً للمدرسة. وفي غضون ذلك تابع عمر دراساته العليا (الماجستير) في جامعة بريشيتنا وكتب أطروحته عن «الشعر الألباني للأطفال في يوغسلافيا 1946-1976».
وإلى تلك الفترة تعود شهرة عمر الشاني ككاتب للأطفال سواء في الشعر أو في النثر. فقد نشر في 1971 مجموعته الشعرية «بماذا تحلم الأزهار؟» ثم نشر في السنة ذاتها رواية للأطفال «أحداث» بينما نشر في 1972 مجموعته القصصية «الدمعة المسافرة» ونشر في 1973 مجموعته القصصية الأخرى «جزيرة السعادة» ونشر في 1975 روايته الثانية «مغامرات» ونشر في 1977 مجموعته القصصية الثالثة «الحجر الثمين» بينما نشر في 1980 مجموعته الشعرية الثالثة «الخاتم السحري».
ولكن في 1981 اندلعت مظاهرات الطلبة والعمال التي طالبت بالمزيد من المساواة بين الوحدات الفيدرالية، وبالتحديد أن تكون كوسوفو جمهورية متساوية مع بقية الجمهوريات في يوغسلافيا، مما فتح المجال للتدخل أو التعسف الصربي في كوسوفو بحجة وجود «ثورة مضادة». وبحجة تأييد تلك المظاهرات فُصل عمر الشاني من عمله، والأسوأ من ذلك أنه مُنع من النشر في الصحف والمجلات. وبعد أربع سنوات من المعاناة قُبل للعمل كمترجم في مصنع «فرونيكل» القريب من مدينته. وبسبب قرار المنع من النشر ككاتب فقد عانى عمر عدة سنوات من هذا الأسلوب في العقاب إلى أن ساعده الكاتب رفعت كوكاي، الذي كان يعمل مسؤولاً في دار النشر المعروفة «ريلينديا»، في الالتفاف حول القرار بنشر بعض ترجماته الأدبية من اللغة الصربية. فقد ساهم عمر في ترجمة «ألف ليلة وليلة» التي كانت تصدر آنذاك مترجمة من الصربية إلى الألبانية، كما ترجم رواية للأطفال للكاتب الصربي آتسا راكوتشفيتش «أطفال الدولة»، قبل أن يعود للنشر مرة أخرى بأعماله الشعرية والنثرية. وهكذا فقد نشر في 1984م مجموعته القصصية الرابعة «العجوز مع الكمنجة» ونشر في 1987م قصيدته القصصية «الفارس الأبيض» ثم نشر في 1989 مجموعته القصصية الخامسة «معايشات بارذوش».
ومع انهيار يوغسلافيا في 1991 واستقلال سلوفينيا وكرواتيا والبوسنة ومقدونيا، زاد التعسف الصربي في كوسوفو ضد الألبان وخاصة بعد أن أعلنوا الاستقلال من طرف واحد في 1992م، وفي هذا السياق فقد فُصل عمر الشاني من العمل كمترجم في المصنع، ولكنه عاد إلى العمل في التعليم الذي كانت تموّله الحكومة الكوسوفية في المنفى.
ومع بروز المقاومة المسلحة (جيش تحرير كوسوفو) في 1998 زاد تواجد وتعسف القوات الصربية ضد السكان المدنيين لدفعهم إلى الهجرة إلى الدول المجاورة. ولكن عمر الشاني وأسرته كانوا قد صمموا على الصمود وعدم التخلي عن مسقط رأسهم. وفي 15 نيسان 1999م جاءت القوات الصربية إلى قريته لتطرد كل السكان. وقد لجأ عمر مع زوجته وأولاده الأربع إلى قرية بوكليك القريبة. وبعد يومين (17 أبريل) حاول عمر مع زوجته وأولاده وأبيه وأمه مع سكان القرية أن يعودوا إلى قريتهم. وقد سمحت القوات الصربية آنذاك لنصف العدد أن يدخل القرية مع الوعد بألا يمسهم أحد بسوء، بينما أعادت النصف الآخر من حيث جاؤوا. كانت السماء تمطر بقوة في ذلك اليوم، ولذلك دخل عمر مع أسرته وعشرات من مواطنيه إلى أول بيت في القرية (بيت سنان موتشولي) حتى يتقوا المطر ويجففوا ملابسهم.
ولكن بعد ساعات من دخولهم، وبالتحديد في الساعة الخامسة مساء، جاءت القوات الصربية ودخلت بيت سنان الذي كان يعج بعشرات الأطفال والنساء والشيوخ وسحبت منه الكاتب عمر الشاني وصاحب البيت سنان موتشولي. وما إن أخرجتهما القوات الصربية من الباب حتى سمعت أصوات بنادق أوتوماتيكية كانت تجهز على الاثنين. وبعد ذلك عادت القوات الصربية إلى البيت وألقت في الغرفة الرئيسية التي كانت تعج بالأطفال والنساء والشيوخ الخائفين عدة قنابل يدوية، ثم جاء أحد أفراد هذه القوة ليطلق النار من بندقيته الأتوماتيكية على الجميع. وهكذا فقد قتل في هذه المجزرة 53 شخصاً كان من بينهم زوجة عمر (نافية الشاني) وأولاده الأربع: أرديان (25 سنة) وميران (20 سنة) وكويتيم (15 سنة) وتدريم (10سنوات). وفي اليوم التالي قتلت القوات الصربية في بيت مجاور والدة الكاتب (نافية) وأخته (نائلة) أيضاً.
ولم ينج من هذه المجزرة سوى ابنته تاوتا (المولودة في 1972) الطالبة في قسم الكيمياء بجامعة بريشتينا، حيث كانت تقيم آنذاك لدى عمها زبير الشاني.
أما الناجي الآخر فقد كان والد الكاتب نظيف الشاني. فقد كان في بيت قريب من البيت التي حدثت فيه المجزرة الجماعية، ولكن القوات الصربية جاءتهم في اليوم التالي (16 نيسان) لتطردهم من القرية. وهنا توقف أحد أفراد القوة الصربية ليطلق النار بشكل عشوائي حيث قتل على الفور زوجته نائلة وسط ذهوله.
ولم يتسرب خبر المجزرة الجماعية في قرية بوكيليك إلا في 24 أبريل 1999 عندما نشرته جريدة «فاكتي» التي تصدر في سكوبيه عاصمة مقدونيا، التي أصبحت تعج بالمهجرين من كوسوفو. وقد جاء الخبر كالصاعقة على الابنة تاوتا وكذلك على الوالد العجوز، الذي لم يكن قد استعاد ذاته بعد رؤيته لمقتل زوجته أمام عينيه.
وقد بقيت أخبار وآثار المجزرة في مكانها إلى أن انتهت الحرب وانسحبت القوات الصربية من كوسوفو في 10 يونيو 1999. فبعد عودة السكان المهجرين وقوات جيش تحرير كوسوفو بدأ البحث عن الجثث، حيث وجدت جثة الكاتب عمر الشاني ملقاة في بئر بالقرب من المكان الذي قتل فيه. وبعد العثور عليه وعلى بقية الجثث أعيد دفن هؤلاء في نصب مهيب في القرية يحمل أسماء هؤلاء الـ 53 الذين سقطوا ضحايا في يوم واحد ومكان واحد على يد القوات الصربية.
عمر الشاني كان كاتباً مبدعاً للأطفال ومعروفاً بأفقه الإنساني الواسع. ولذلك كان مصيره ولا يزال صعبا على التصديق، كيف يقتل بدم بارد مثل هذا الكاتب مع زوجته وأولاده وهو الذي خصص أشعاره وقصصه لإعلاء قيم الإنسانية بين الأطفال؟!
* باحث أكاديمي