2008-11-16
رغم الحرص على الحفاظ على سرية كبيرة في تحركات الإدارة الانتقالية للرئيس المنتخب باراك أوباما، مثلما كان واضحا مع فسخ ملفات «الأجندة» على الموقع الإلكتروني الرسمي للرئيس المنتخب خلال هذا الأسبوع، فإن هناك ما يكفي من المؤشرات الآن على الملامح العامة لهذه الإدارة ومن ثم على آفاق سياساتها الاستراتيجية والمرحلية.
مع نهاية هذا الأسبوع اجتاحت المشهد الإعلامي أخبار عن لقاء سري بين الرئيس المنتخب والسيناتورة هيلاري كلينتون في شيكاغو. كان ذلك متزامنا مع أخبار عن «توسع قائمة المرشحين» لمنصب وزارة الخارجية إلى أسماء جديدة خاصة منها اسم سيناتورة ولاية نيويورك. بدت هذه الأخبار متباينة مع تقارير ظهرت إثر أيام من الانتخابات تشير إلى استياء الفريق المحيط بالسيناتورة هيلاري كلينتون من تجاهل فريق الرئيس المنتخب لها باستثناء مكالمة من ميشال أوباما تسأل نصيحة هيلاري في خصوص «حماية الحياة الخصوصية» لأبناء العائلة الرئاسية. إذ كان من المفترض، حسب المقربين من كلينتون، أن يبادر الرئيس المنتخب بالعمل على مساعدتها على تفادي الخسائر المالية الكبيرة التي تكبدتها خلال حملتها الانتخابية، خاصة أنها «عملت كل ما تستطيع» لدعمه في حملته الانتخابية ضد ماكين.
يجب هنا أن نتذكر أن أوباما قاوم ضغوطا كبيرة قبل مؤتمر الحزب الديمقراطي الصيف الماضي والتي حاولت الدفع به لاختيار منافسته السابقة في موقع نائب الرئيس من أجل «توحيد صفوف الحزب». وحسب بعض المصادر آنذاك لم يرغب أوباما في تقاسم البيت الأبيض مع عائلة رئاسية أخرى مما يمكن أن يوحي بمحدودية سلطاته المعنوية. العلاقة بين آل كلينتون وأوباما كانت دائما معقدة إذ إن الرئيس كلينتون والسيناتورة حاولا منذ صعود نجم أوباما محاصرة طموحاته من خلال محاولة لعب دور «الرعاية» الأبوية على السيناتور الشاب (في اللقاء الأول الذي جمع أوباما بهيلاري في مكتبها في الكونغرس قالت له الأخيرة «حافظ على ظهور خافت»، وهي النصيحة التي نعرف جميعا الآن أن أوباما لم يأخذ بها). الحملة الانتخابية الشرسة بينهما جعلت البعض يشكك في إمكانية رأب الصدع بين الطرفين.
لكن بمعزل عن مدى صحة ترشيح هيلاري كلينتون على رأس وزارة الخارجية (والتي أصبحت التكهنات حولها أصعب من الرهان على سباقات الخيل ولكن سنعرف على كل حال قريبا اسم وزير الخارجية الجديد) فقد أتت هذه الأخبار في سياق سلسلة من المعطيات التي رشحت على مدى الأسبوعين الأخيرين والتي تشير إلى النسبة الكبيرة في فريق الإدارة الانتقالية من بين عناصر سابقة في إدارة الرئيس كلينتون مما يوحي بأننا بصدد إدارة كلينتونية جديدة بقيادة أوباما.
من دون شك أن المقربين من أوباما القادمين من شيكاغو، مثل فاليري جاريت وديفيد أكسلرود، والذين يقودون إدارته الانتقالية التي بدأت العمل في واشنطن من بين العناصر التي برزت في ظل العمل مع أوباما ومن ثم لا تدين بالولاء لغيره. غير أن أسماء المستشارين المتقاطرين على الفريق الانتقالي تشير إلى هيمنة واضحة لعناصر انتمت في السابق لإدارة الرئيس كلينتون. بداية يتقاسم جاريت وأكسلرود إدارة الفريق الانتقالي مع جون بوديستا الذي كان مدير مكتب الرئيس كلينتون. طبعا رام إيمانويل نفسه كان من فريق مكتب الرئيس كلينتون في البيت الأبيض في التسعينيات.
حسب تقارير مختلفة هذا الأسبوع (مثلا نيويورك تايمز، 12 نوفمبر)، من بين عناصر الإدارة الانتقالية العاملة الآن في واشنطن وعلى رأس الفريق المكلف بمراجعة وضع وزارة الخزانة نجد كلا من جوشوا غوتباوم الذي عمل مساعدا لوزير الخزانة في إدارة كلينتون، ومايكل وارن الذي كان المدير التنفيذي لـ «المجلس الاقتصادي القومي» التابع لإدارة الرئيس كلينتون. كذلك على رأس الفريق الانتقالي المكلف بمراجعة وضع وزارة الخارجية نجد توماس دنيلون الذي كان مساعد وزير خارجية للشؤون العامة في إدارة الرئيس كلينتون، وويندي شيرمان التي كانت مستشارة خاصة في وزارة الخارجية مكلفة من الرئيس كلينتون بملف كوريا الشمالية.
أيضا على رأس الفريق الانتقالي المكلف بمراجعة وضع وزارة الدفاع نجد جون وايت الذي شغل منصب نائب وزير الدفاع في إدارة الرئيس كلينتون، وميشال فلورني نائبة مساعد وزير الدفاع للاستراتيجية وتقليص التهديدات خلال نفس الفترة.
يجب أن نضيف إلى أسماء عناصر الفريق الانتقالي العامل في واشنطن أسماء الكثير من المرشحين الأساسيين في مواقع مختلفة من وزارة الخزانة (سامرز) إلى الدفاع (دانزيغ) ممن شغلوا سابقا مواقع متقدمة في إدارة الرئيس كلينتون. كما أنه تم اختيار رون كلاين ليشغل منصب مدير مكتب نائب الرئيس جو بايدن، وهو الذي كان سابقا مدير مكتب نائب الرئيس آل غور.
هناك من يقول إنه من المتوقع أن تعتمد إدارة جديدة على عناصر إدارة سابقة خاصة عندما تخلف سجلا ناجحا. الكثير مثلا من عناصر إدارة الرئيس جورج والكر بوش (الابن) كانت تعمل في إدارة الرئيس ريغان أو إدارة أبيه. في المقابل لم يعتمد كلينتون على عناصر إدارة كارتر بسبب سجلها الاقتصادي «السلبي». وهكذا فالسجل الاقتصادي «الإيجابي» لإدارة الرئيس كلينتون خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة يبدو مبررا كافيا للاعتماد على عناصر خبيرة تستطيع ضمان الانتقال الناجح لإدارة أوباما. لكن هناك مخاطر حقيقية في توجه مماثل. إذ إن جزءا من الأزمة الاقتصادية الراهنة يرجع إلى عملية تقليص المراقبة التي تمت جزئيا في سياق إدارة الرئيس كلينتون خاصة بإشراف بعض الذين يقع تداول أسمائهم الآن لشغل منصب وزير الخزانة. ذلك يعني أيضا أن السياسة الخارجية يمكن أن تميل بشكل حاسم لمصلحة الواقعيين التقليديين مما يعني تكرار نفس التوجه المتردد الذي ميز إدارة الرئيس كلينتون والذي كان يتخوف من الحسم في أي ملف وفي نهاية الأمر عجز عن تحقيق أي نتائج وبالتالي جعله فريسة سهلة للمحافظين الجدد.
ورغم أن ميكانيزمات العلاقة بين عهد كلينتون السابق وعهد أوباما القادم تعود بالأساس لظروف بنوية فإن العلاقة بين الشخصين لن تكون هامشية. إذ بعد أشهر من الصراع الانتخابي الشرس في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي بدا كأن الصراع بين أوباما وهيلاري هو في النهاية صراع «ذكوري» الطابع بين رئيس سابق «جرح» عندما تم تجاهل ترشح زوجته في موقع الرئاسة ورئيس جديد يرفض السلوك الأبوي للرئيس السابق ويرغب في إثبات ذاته الرئاسية. لكن كل هذه المشاعر المتنافرة يبدو أنها تبخرت قبل أشهر قليلة. إذ يقال إن أطرافا توسطت بين الرجلين (ربما رام إيمانويل) ليجتمعا على عشاء عمل في حي هارلم في نيويورك أواخر الصيف. الأخبار التي راجت آنذاك أشارت إلى سعادة كلينتون بالاجتماع والتي عبر عنها بعبارات الثناء التي كالها لأوباما. غير أن الذين نقلوا هذه المعطيات أشاروا أيضا إلى أن الرئيس السابق يكيل الثناء خاصة إلى الذين يستمعون إليه بشكل جيد.
من غير المستبعد أن كلينتون أصبح منذ تلك اللحظة أحد أهم مستشاري أوباما والآن الرئيس المنتخب. وربما في السنوات القادمة سيصبح ظل الرئيس و «راعيه» بعد كل شيء: فهل سيستطيع أوباما تحمل ظل رئيس سابق على كاهله؟