2008-11-23
خطاب الرئيس المنتخب باراك أوباما تميز بشكل مستمر بالتأكيد على شعارات «الوحدة» و «الثنائية الحزبية» وتفادي التقوقع ضمن أي تعريفات يمكن أن تعطل رصيده الانتخابي بما في ذلك تعريف «الإفريقي الأميركي» و «الليبرالي» أو حتى «الديمقراطي». نجح هذا الخطاب الانتخابي في اختراق بعض الولايات «الجمهورية» أو «المتأرجحة». لكن، الآن وبعد نهاية الدواعي الانتخابية، بدا لبعض المساندين لأوباما (خاصة من اليسار) أن هذا الخطاب غير مبرر خاصة بعد الفوز الكبير كمياً في الأصوات الانتخابية. تفاجأ الكثيرون من جدية الخطاب الانتخابي أو بأنه أصبح خطابا ما بعد انتخابي.
الرئيس المنتخب بصدد الترجمة السياسية لخطاب «الوحدة». تتأكد مع نهاية هذا الأسبوع الأنباء عن تعيين وشيك لهيلاري كلينتون منافسته الشرسة في الانتخابات التمهيدية ومع كل الدراما التي رافقتها بما في ذلك تحقيق فريق أوباما القانوني في مدى تضارب المصالح بين علاقات الرئيس كلينتون مترامية الأطراف مع الدور الخارجي الجديد لزوجته. الأنباء عن توجه متزايد للحفاظ على بوب غيتس وزير دفاع الرئيس بوش والمشرف المدني الرئيسي على الحرب في العراق و «الجمهوري» المقرب من الرئيس بوش الأب. طبعا هذا يأتي بعد اختيار أوباما للمنافس السابق في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي جو بايدن لمنصب نائب الرئيس.
العنوان الرمزي للخطاب والذي أصبح كلمة السر الجديدة في خطاب أوباما «فريق المتنافسين» (team of rivals). القصة التي يتم تداولها بشكل آلي إعلاميا أن يد الرئيس المنتخب وقعت عام 2005 (أي عندما بدأ يفكر بشكل جدي في الترشح) على كتاب جذاب بعنوان «فريق المتنافسين: العبقرية السياسية لإبراهام لينكولن». الكاتبة دوريس كيرنس غودوين، الحاصلة على جائزة بوليتزر، قدمت صورة مثيرة للجدل عن الرئيس لينكولن الذي حقق واحدة من أهم اللحظات التاريخية الأميركية، أي الاتحاد الفيدرالي بعد حرب أهلية طاحنة ومركزة الدولة بشكل غير مسبوق. صورة غودوين التي التقطتها عن لينكولن تركز الضوء على أن نجاحه كان مرتبطا بشكل وثيق بثقته البالغة في ذاته وقراره ملء إدارته بمجموعة من أكثر المتنافسين معه داخل الحزب الديمقراطي وحتى من بين أعضاء الحزب الجمهوري.
غودوين أشارت في حوارات متعددة هذا الأسبوع إلى أن الرئيس المنتخب اتصل بها منذ عام 2005 بشكل متواصل وبدا منبهرا بصورة «القائد الموحد» و «الواثق». من المتوقع أن يكون لينكولن شخصية جذابة لشخص مثل أوباما. العلاقة الرمزية بارزة للعيان بأتم ما في الكلمة من معنى بين رئيس «حرر» السود وأول رئيس أسود في تاريخ الولايات المتحدة. الأبعاد الرمزية الأخرى تتضمن خوض الحرب وغلق قوسها وحكم البلاد في سياق أزمة اقتصادية.
لكن المسألة الحقيقية هي إلى أي حد يتمثل أوباما التاريخ كصورة وإلى أي حد يتمثله كماض يمكن استنساخه في الحاضر؟
بداية لا يمكن الارتياح للتصوير الشعبوي لتاريخ لينكولن بالطريقة التي قدمتها غودوين. الأخيرة أكاديمية متخصصة في «الحكم» غير أن بحوثها لا تستأنس بالشكل الكافي بمناهج علم التأريخ. يجب أن نرجع للمؤرخين المتخصصين في عهد لينكولن حتى يمكن لنا أن نتمثل مدى واقعية الربط بين «عبقرية» لينكولن واختياره لمنافسين في إدارته. جيمس أووكس أستاذ التاريخ في جامعة مدينة نيويورك الذي كتب عددا من أهم الدراسات عن لينكولن والذي لا يحتمل التمثلات الشعبوية والمبسطة كتب مقالا في نيويورك تايمز (20 نوفمبر) يسائل فيه بشكل منهجي أهمية «فريق المتنافسين» في عهد لينكولن. أولا كان إقحام «المنافسين» في إدارات الرؤساء الأميركيين تقليدا في القرن التاسع عشر بدأ منذ عام 1824 ولم يرتبط بظروف خاصة تمر بها البلاد بقدر ما كان مرتبطا بحسابات داخلية في الحزب الفائز. كما أن أقل الرؤساء شعبية وفاعلية في تاريخ الولايات المتحدة بالإجماع (فرانكلين بيرس وجيمس بوكانان) كانا من بين الذين رسخوا هذا التقليد في خمسينيات نفس القرن. وهكذا لينكولن كان تقليديا ولم يستحدث جديدا عند اختياره أسلوب «فريق المتنافسين». الأهم من ذلك أن نقطة الضعف الأساسية في إدارة لينكولن كانت الفوضى التي تخلقها الصراعات بين «المتنافسين» وبينه في إدارته. بمعنى آخر كان هذا الأسلوب ما حدّ من فاعلية وتمظهر «عبقرية» لينكولن أكثر مما كان انعكاسا لها.
من دون شك أن تعيين هيلاري كلينتون واحتمال الإبقاء على غيتس هي حركات لا ترغب فقط في إشاعة صورة «فريق المتنافسين» بل أيضا تفرض عليه تقاسم مسار صناعة السياسة مع شخوص تتميز إما بكاريزمية أو ارتباطات منافسة بالأساس لموقع الرئيس. الواقع أن معظم الإشارات التي يبعث بها الرئيس المنتخب تحيل على ميل عام نحو رؤى وشعارات «النخبة التقليدية» التي بنى عليها جزءا كبيرا من رأس ماله الانتخابي.
بالإضافة إلى هيلاري كلينتون وغيتس يجب النظر بنفس الطريقة إلى ملء الإدارة الانتقالية بعناصر كلينتونية من وسط الحزب. كما أن حضور خبراء من مراكز بحث غير تقليدية في الإدارة الانتقالية مثل «المجلس من أجل عالم يمكن العيش فيه» (Council for a Livable World) و «المركز من أجل التقدم الأميركي» (The Center for American Progress) يبقى أقل تأثيرا من الخبراء القادمين من مركز البحث الجديد الذي يبدو أنه تأسس (عام 2007) بشكل خاص لدعم حملة أوباما أي «مركز الأمن الأميركي الجديد» (The Center for New American Century) والذي يعبر عن آراء استراتيجية تعكس بشكل خاص المدرسة «الواقعية التقليدية» التي ميزت عهد الرئيس كلينتون. أحد المقالات الصادرة عن المركز الأخير منذ أيام تشير إلى إمكانية استعمال الجدول الزمني الوارد في «الاتفاقية الأمنية» والذي يتحدث عن إمكانية انسحاب أميركي بعد ثلاث سنوات، وهو ما يتعارض مع الجدول الزمني الذي طرحه أوباما خلال حملته الانتخابية (أي بعد 16 أو 18 شهرا).
ما يحدث أن شعار «فريق المتنافسين» هو التبرير التاريخي والصورة التي يحاول أوباما عبرها إخراج صورته الجديدة، أي صورته ما بعد الانتخابية. مع استشعاره للصراع القادم مع «المؤسسة» (establishment) القائمة يحاول أوباما خلق عوازل تخفف هذا الصدام. الجدال بدأ مع القيادات العسكرية مع بداية هذا الأسبوع عندما صرح الأدميرال مايكل مولن رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية بأن الانسحاب من العراق «مرتبط بالظروف الميدانية». بدا أن هذا الكلام لم يكن موجها فقط للتأويلات المتفائلة للحكومة العراقية لمحتوى «الاتفاقية الأمنية» بل أيضا للرئيس المنتخب الذي صرح يوم الأحد في برنامج «60 دقيقة» بأنه سيقود «انسحابا من العراق» وأشار إلى اجتماعه المقبل مع القيادات العسكرية لمناقشة هذا الأمر. الاختيار المتوقع للجنرال جيمس جونس (حسب أنباء آخر هذا الأسبوع) في موقع مستشار الأمن القومي تزيد من الإشارات التي تعكس شعور أوباما بضرورة المرور إلى الوسط وإحاطة سلطته بالعوازل في سياق تصوره لكيفية ضمان فاعلية سلطته وهي تنتقل من الأجواء المفتوحة في شيكاغو إلى الأجواء الخانقة لواشنطن.
تبقى نقطة أساسية هنا تتعلق بالدور الذي من المتوقع أن تقوم به هيلاري كلينتون. أشار عدد من التعليقات هذا الأسبوع إلى أن وزير الخارجية الناجح هو الذي يكون صورة لدى الأوساط الدولية بأنه يمتلك دعما مطلقا للرئيس الأميركي وبأنه ممثله المقرب. من المستبعد، وفقا لهذه المعايير، أن تكون هيلاري كلينتون وزيرة خارجية ناجحة. فرغم أن تعيينات أوباما تتجه نحو تغيير مواقفه إلى الوسط فإنه من الصعب أن تصبح علاقته بكلينتون قوية مثلما كانت العلاقة بين جيمس بيكر والرئيس بوش الأب مثلا. وبما أنه لا توجد أية حالة في تاريخ الولايات المتحدة حيث لا يكون الرئيس هو صاحب اليد العليا في تقرير القرارات النهائية للسياسة الخارجية فإنه يمكن الاستنتاج بأن أوباما يفعل سياساته من خلال البيت الأبيض وبالأساس مكتب الأمن القومي.