2008-11-30
كنت أشرت في الأسبوع الماضي إلى أن ميل أوباما في مواقع السياسة الخارجية الأهم لاختيار رموز من «وسط» الحزب الديمقراطي (هيلاري كلينتون وزيرة خارجية) أو «اليمين» الجمهوري (روبرت غيتس وزيرا للدفاع) أو «الوسط» المستقل من الأوساط العسكرية (الجنرال جيمس جونس مستشارا للأمن القومي) يمكن أن يكون في سياق توفير الرئيس المنتخب لعوازل تمنع الصدام القوي المرتقب مع القيادات العسكرية التي ستخلفها الإدارة المنتهية ولايتها بالتحديد لعرقلة أي نوايا للتراجع عن خطة «زيادة» القوات، فما بالك الانسحاب ولو التدريجي من العراق.
تتقاطع هذه الرؤية مع التحليل الذي تبناه الصحافي الليبرالي بيتر باينرت في مقال بمجلة «التايم» هذا الأسبوع (26 نوفمبر). يقول الأخير: «لأن أوباما ينوي متابعة سياسات حقيقة تقدمية في السياسة الخارجية فهو يحيط نفسه بأناس يستطيعون حماية جانبه الأيمن في الداخل». يضيف باينرت للتدليل على ذلك: «عندما أراد الرئيس بوش الترويج لحرب العراق استعان بكولن باول لأن الأخير ليس له مظهر الصقور». كما أن الشخوص التي اختارها «لا تختلف معه بشدة» في السياسة الخارجية في عدد من الملفات بل يمكن أن تتفق معه بشكل كبير، مبرزا موقف الجنرال جونس من حرب العراق بأنها «فاشلة» وحثه إدارة بوش على إغلاق معتقل غوانتانامو. وكذلك مواقف لغيتس تم تداولها إعلاميا منذ تقلده منصبه بما في ذلك دعوته لإغلاق غوانتانامو وانسحاب متسارع من العراق (قبل تراجعه على هذا الموقف) ووصفه أي هجوم على إيران بأنه سيكون «كارثة استراتيجية» وانتقاده لما سماه «عسكرة» السياسة الخارجية. حتى هيلاري ورغم اختلافاتها مع الرئيس المنتخب في ملفات داخلية فإنها تتفق معه مبدئيا في ضرورة القيام بانسحاب تدريجي من العراق. كما أن الخلاف بينهما في الملف الإيراني (محادثات مشروطة أو غير مشروطة) كانت تلتقي في ضرورة التركيز على «مفاوضات صارمة» مقابل استبعاد الخيار العسكري.
هذا التحليل يبدو أنه بصدد الرواج حتى في تحليل اختيارات أوباما للأشخاص الذين كلفوا هذا الأسبوع بمواجهة الأزمتين المالية والاقتصادية وهو الملف الأول على أجندة «التغيير» للرئيس الجديد. التشكيلة التي أعلنها أوباما تضمنت فريقين: واحد تنفيذي وآخر استشاري. من بين هؤلاء نجد ثلاثة عناصر أساسية هي على التوالي: تيموثي غايثنر في منصب وزير الخزانة، وبيتر أورسزاغ في موقع مدير الميزانية، ولاري سامرز في موقع كبير المستشارين ضمن «مجلس الاقتصاد القومي» وهو المجلس الاستشاري للرئيس في الشؤون الاقتصادية ويعمل مثل مكتب الأمن القومي في البيت الأبيض.
حتى نفهم شبكة الروابط هنا لا يكفي أن نتذكر أن الاثنين الأولين (غايثنر وأورسزاغ) عملا تحت إشراف سامرز عندما كان وزيرا للخزانة. الراعي الحقيقي لهذه المجموعة الصغيرة المتكاتفة وزير الخزانة الأول في عهد الرئيس كلينتون مايكل روبين. ما أصبح معروفا بمدرسة «روبينوميكس» (Rubinomics) أو «اقتصاد روبين» التي هيمنت على التفكير الاقتصادي في الحزب الديمقراطي مع صعود كلينتون وأبعدته من اليسار وتأثير النقابات. لم يتعلق الأمر بمجرد مغازلة للاقتصاد الحر بل بأحد تيارات الليبرالية الجديدة أو ما أصبح يسمى منذ ذلك الوقت بـ «أصوليي السوق الحرة» (free market fundamentalists). برز ذلك بالأساس مع عدول كلينتون عن الالتزام بوعوده الانتخابية عندما وعد بزيادة المصاريف الخاصة بالشأن العام بما في ذلك البنية التحتية والتركيز على خلق فرص العمل من خلال مشاريع عامة تشرف عليها الإدارة الفيدرالية. بعكس ذلك اتجه كلينتون بتوجيه من وزير خزانته آنذاك مايكل روبين نحو التركيز على التخفيض في عجز الميزانية وبالتالي الحد من المصاريف بوصف ذلك المحرك الرئيس للاقتصاد. الآن مع النظر إلى تلك السنوات يبرز لمايكل روبين ذلك وخليفته لاري سامرز وزير الخزانة آنذاك وذراعه اليمنى الشاب تيموثي غايثنر (وزير الخزانة في الإدارة الجديدة) المسؤولين الأساسيين على سلسلة تقليص الرقابة (deregulation) وهو ما كان من بين الأسباب التي سمحت بنمو رأس المال المالي بالشكل الفقاعي الذي لا يعكس الاقتصاد الواقعي ومن ثم حدوث الأزمة المالية التي بصدد التأثير بدورها على الاقتصاد الواقعي.
من اللافت أيضا أن أوباما وضع بول فولكر على رأس الفريق الاستشاري الثاني الذي استحدثه «المجلس الاستشاري للتعافي الاقتصادي». تم تقديم هذا المجلس على أساس أنه سيوفر المنبر لأصوات من خارج الحلقات الضيقة لبيروقراطية واشنطن في سياق وعود أوباما بالقطع مع انعزالية الأوساط السياسية للعاصمة الفيدرالية. غير أن أوساط «اليسار» سجلت في منابرها الإعلامية واقع أن فولكر هو رجل واشنطن بامتياز على خلفية تاريخه الطويل في العمل في مؤسسات مالية فيدرالية خاصة منها ولايته كرئيس للاحتياطي الفيدرالي بين عامي 1979 و1987 وهي الفترة التي تزامنت تحديدا مع المرحلة النيوليبرالية. فولكر يرتبط أيضا بالحلقة الضيقة لروبين والمجموعة المحيطة به من خلال إشرافه على التجمع الاستشاري الدولي الأكثر أهمية في الشؤون المالية في واشنطن أي «مجموع الثلاثين» (The Group of Thirty) الذي تجمع في عضويتها كل من لاري سامرز وتيموثي غايثنر.
من دون شك كانت كل هذه المؤشرات محبطة للكثيرين من أوساط يسار الحزب الديمقراطي. غير أن هناك أصواتا من اليسار لا تزال ترغب في تصور رؤية أخرى لما يجري. في تقرير في صحيفة «نيويورك تايمز» (24 نوفمبر) لمح جارد بيرنستين، وهو من المستشارين الاقتصاديين لأوباما القلائل من خارج مجموعة «يمين الوسط»، إلى أن ما قام به الرئيس المنتخب هو تعيين فريق ذي ماض نيوليبرالي حتى لا يصيب وول ستريت بالذعر في حين أنه ينوي تطبيق سياسة يسارية بالأساس تركز على زيادة مصاريف الدولة بمعزل عن مؤشر العجز في الميزانية. ويشير بيرنستين أنه في أحد اللقاءات الأخيرة التي جمعته بسامرز في سياق اجتماعات فريق أوباما الاقتصادي لاحظ دفاع سامرز عن سياسات تعمق عجز الميزانية. مازح بيرنستين سامرز حول التغير الكبير في مواقفه فرد الأخير بأن: «الظروف تغيرت».
في نفس سياق تغير مواقف نيوليبراليين قدامى استجابة للظروف الراهنة من الضروري أن نتعرض إلى تقرير أصدرته «مجموعة الثلاثين» بإشراف بول فولكر وبمشاركة لاري سامرز في ربيع 2008. التقرير بعنوان «بنية الرقابة المالية: مقاربات وتحديات في سوق دولية» يتعرض بالنقد بشكل خاص إلى نظام الرقابة الراهن في الولايات المتحدة (الذي شارك في إقامته بالتحديد أشخاص مثل فولكر وسامرز) والذي يصفه بـ «الاستثنائي» عالميا. نقرأ في أحد الفقرات من هذا التقرير ما يلي: «تاريخيا تم النظر بشكل عام إلى (النظام المالي الأميركي) بأنه ناجع في الاستجابة للأهداف المختلفة للرقابة. لكن اليوم الإصلاح البنيوي يجب أن يكون على أجندة صانعي السياسة».
بشكل عام هناك معطيات مقنعة إلى حد ما في خصوص التكهن بتوجه أوباما نحو تنفيذ سياسات يسارية في الملفات الداخلية (الرفع من المصاريف الفيدرالية الموجهة لمصلحة فرص العمل) أو الخارجية (المفاوضات عوض الحرب) من خلال استخدام أوساط لها ماض غير يساري في سياق مواجهة الضغط الذي سيتعرض إليه من الأوساط التشريعية أو البيروقراطية في واشنطن. وفي هذا الإطار وجود نفس الأشخاص من إدارة كلينتون في الإدارة الجديدة لا يعني بالضرورة استنساخ سياسات عهد كلينتون. غير أن أوباما تغير أيضا عبر الحملة الانتخابية كما أسلفنا القول في مقالات سابقة مارا من اليسار نحو الوسط. ورغم ذلك بدا أن الرئيس المنتخب حساس للغاية بخصوص صورته بوصفه الوجه القيادي الرئيس في إدارته بمعزل عن اختياراته، إذ كان جوابه على أحد أسئلة الصحافيين يوم الثلاثاء الماضي حول مدى تأثير اختياراته على شعار «التغيير» الذي رفعه حاسما: «أنا المسؤول على تحديد الرؤية العامة في هذه الإدارة».