2008-12-07
إثر الانشغال بمتابعة التطورات المتلاحقة الأسابيع الفائتة ذات العلاقة بتشكل الإدارة الأميركية الجديدة، حان الوقت للالتفات إلى حدث ثقافي عربي اهتممت به لدواعٍ شخصية وأكاديمية وهو افتتاح «متحف الفن الإسلامي» في الدوحة يوم 22 نوفمبر الماضي. الفنون والعمارة الإسلامية ليست موضوعا قريبا من اهتماماتي الروحية والفكرية فحسب بل أيضا من بين المجالات الرئيسة التي اشتغلت وأشتغل فيها بحثا وتدريسا.
لا تكمن أهمية «متحف الفن الإسلامي» في الدوحة في كونه يعرض مجموعة من القطع الأثرية الإسلامية. توجد متاحف قديمة وعديدة عبر أنحاء العالم تعرض مجموعات أثرية إسلامية. من بين أقدمها خاصة تعبيرا عن تاريخ تجميع القطع الأثرية الإسلامية هي تلك المعروضة ضمن قسم «الشرق الأوسط» في «المتحف البريطاني» في لندن. الأخير كان يحتوي على قطع أثرية إسلامية منذ افتتاحه عام 1759. مجموعة «المتحف البريطاني» شهدت نموا خاصة في أواخر القرن التاسع عشر عبر هبات من مجموعات شخصية لجامعي آثار بريطانيين (خاصة مجموعة القطع الخزفية لفريديريك غودمان ومجموعة المخطوطات لسيدني تشرشل).
إذ كان التاريخ المبكر لتجميع القطع الأثرية الإسلامية في معظمه تاريخا غربيا. إلى جانب مجموعة «المتحف البريطاني» تجب الإشارة إلى القطع التي تراكمت في متحف «اللوفر» في باريس بالتزامن مع المغامرات الفرنسية الاستعمارية منذ نهاية القرن الثامن عشر. لكن اللافت أن «اللوفر» لم يقرر إقامة قسم خاص ومدروس للقطع الأثرية الإسلامية إلا مؤخرا مقتديا بشكل خاص بأفضل مجموعات القطع الأثرية الإسلامية على الإطلاق، وهي الموجودة ضمن قسم «الفن الإسلامي» في متحف «الميتروبوليتان» في نيويورك. لكن لم يكن الاهتمام بالقطع الأثرية الإسلامية مرتبطا بالضرورة بالتجارب الاستعمارية بل جاء بشكل خاص في سياق تحول «الشرق» (في معانيه الأكثر تعميمية) إلى مصدر إلهام روحي ومن ثم فني في النصف الثاني من القرن التاسع عشر لدى بعض أوساط النخبة الغربية. وهكذا كان هناك اهتمام كبير بين جامعي الآثار الأميركيين بالقطع الإسلامية في ظرفيات لم يكن فيها للولايات المتحدة أي وجود سياسي بارز في المنطقة. بالإضافة إلى مجموعة «الميتروبوليتان» (والتي تم تجميعها عبر الزمن منذ القرن التاسع عشر من خلال هبات جامعي آثار أميركيين) هناك متحف «الفريير أند ساكلر غاليري» في واشنطن تأسس على أساس مجموعتين لجامعي الآثار الأميركيين تشارلز فريير وآرثر ساكلر شملت قطعا إسلامية إلى جانب قطع أثرية صينية ويابانية وهندية وغيرها من المجالات الآسيوية. ألمانيا التي بقيت بعيدة عن التجارب الاستعمارية (قسرا وليس خيارا) كانت عبر عاصمتها برلين أيضا مركزا لتجميع القطع الأثرية الإسلامية. وكان من اللافت إقدام القائمين على «متحف القيصر فريديريك» في برلين في العشرية الأولى من القرن الماضي على جلب واجهة «قصر المشتى» الأموي لتكون ركيزة مجموعة القطع الأثرية الإسلامية. كما أن تطوير قسم «الفن الإسلامي» في «الميتروبوليتان» كان ممكنا بالأساس بسبب المساهمة العلمية لباحثين ألمان هاجروا إلى الولايات المتحدة في ثلاثينيات القرن الماضي خاصة موريس ديماند.
في المقابل كان اهتمام مسلمين أو مقيمين في الأقطار الإسلامية المختلفة بالقطع الأثرية الإسلامية متأخرا نسبيا. كان العثمانيون قد بادروا عام 1891 لتأسيس «المتحف الأثري» في اسطنبول والذي سجل لأول مرة في المجال الإسلامي وعيا بالتراث الأثري بما في ذلك الخاص بالفترة الإسلامية. كما كان رضا شاه وفي سياق ترسيخ شرعية السلالة البهلوية في إيران مهتما بالتراث الأثري الإيراني بما في ذلك الإسلامي وكان راعيا لعرض تم في لندن عام 1930 حول «الفن الفارسي» تضمن فترات مختلفة بما في ذلك الفترة الإسلامية. غير أن التركيز بشكل خاص على الآثار الإسلامية يبدو أكثر بروزا في مصر إذ قام الخديوي توفيق عام 1869 بتأسيس ما سمي آنذاك بـ «دار الآثار العربية» والتي احتوت على مجموعة صغيرة من القطع الأثرية الإسلامية مما كان ضمن ملكية العائلة المالكة. أما في بقية الأقطار الإسلامية لم تتأسس المتاحف كمؤسسات حفظ أثرية إلا على إثر دخول قوات أجنبية برغم أن ذلك كان يتم في إطار النخب الحاكمة القائمة (مثلا كان تأسيس «متحف باردو» في تونس بأمر ملكي من علي باي غير أنه لم يحدث إلا عام 1882 أي بعد عام من الاحتلال الفرنسي).
وإذا كان ظهور مؤسسة المتحف وتخصيص أقسام للفن الإسلامي فيها في علاقة بالأجواء الأوروبية في القرن التاسع عشر أو على إثر وجود أوروبي عسكري، فإن إقامة متاحف كاملة متخصصة في الفن الإسلامي كانت مبادرة محلية خاصة في إطار خطاب الدولة الوطنية أو دولة ما بعد الكولونيالية. إذ إن «دار الآثار العربية» التي أسسها الخديوي توفيق كانت النواة التي على أساسها تم افتتاح «متحف الفن الإسلامي» في القاهرة عام 1952. وكان ذلك في إطار بروز عدد من الباحثين المصريين الرواد من المتخصصين في الفن الإسلامي. غير أن الحماسة التي ميزت هذه المرحلة التاريخية خاصة مع تعريف هوية الدولة الوطنية العربية ضمن مكونات الهوية العربية الإسلامية خفتت تدريجيا. ولو أن ذلك لم يمنع من استمرار وجود مبادرات لتركيز مجموعات أثرية إسلامية محددة ضمن وحدات متحفية مفردة. ينطبق ذلك على «متحف رقادة» الحكومي في مدينة القيروان والذي يتخصص في المجموعة الأثرية المتعلقة بهذه الحاضرة الإسلامية المركزية في منطقة المغرب. في هذا السياق يجب أيضا وضع مبادرة «المتحف الإسلامي» في الكويت في بداية ثمانينيات القرن الماضي والذي كان بالأساس مكونا من «مجموعة الصباح» الخاصة للقطع الأثرية الإسلامية (المتميزة خاصة بمجموعة من القطع الخزفية والبلورية).
النظر إلى «متحف الفن الإسلامي» في الدوحة ضمن هذه السياقات ضروري لفهم إسهامه الخاص. يجب الرجوع أولا إلى السنوات التي سبقت افتتاح المتحف وتحديدا إلى الرحلة التي خاضتها القطع الأثرية التي تم جمعها خصيصا لتكون مادة المتحف. إذ تم القيام بعرض متنقل لنخبة من مجموعة «متحف الفن الإسلامي» عام 2006 تحت عنوان «من قرطبة إلى سمرقند» في أشهر المتاحف العالمية بما في ذلك في متحفي «اللوفر» في باريس و «الميتروبوليتان» في نيويورك. لم تكن تلك مجرد حملة دعائية لمجموعة متحفية محددة بقدر ما كانت رفعا من القيمة الخصوصية للقطعة الأثرية الإسلامية في مشهد المتحف العالمي. وذلك تحديدا أحد المظاهر الأساسية للإسهام المتحفي أيا كان موضوعه: كيفية عرض القطعة الأثرية وجعلها جذابة بصريا. يأتي في نفس الإطار عمارة المتحف ذاته والتي عهدت إلى أحد أشهر المعماريين على قيد الحياة، الأميركي ذي الأصل الصيني باي. مرورا بالتغطية الإعلامية غير المسبوقة بالنسبة لمجموعة أثرية إسلامية سبقت بشهور افتتاح المتحف.
وقد شاءت الصدفة أن التقيت قبل أيام من الافتتاح مع أوليغ غرابار أكثر باحثي الفن الإسلامي تأثيرا في عصرنا الراهن وكانت مقدمة حديثنا حول مغزى افتتاح «متحف الفن الإسلامي» في الدوحة. غرابار الذي يعمل الآن من مكتبه في «معهد برينستون للدراسات المتقدمة» المرموق (وهو ما يعكس أهمية إسهامه الأكاديمي الذي تجاوز الفن الإسلامي إلى مناهج تاريخ الفن بشكل عام) والذي لم يستطع التنقل لحضور الافتتاح لأسباب صحية كان متحمسا للغاية لحدث الافتتاح. رأى في الاستثمار المالي الكبير في موضوع «الفن الإسلامي» مصدرا للتفاؤل بتحقيق حلم قديم بالنسبة إليه، وهو انتقال مراكز عرض المادة الأثرية الإسلامية المتميزة إلى المجال الإسلامي ذاته بشكل ينافس ليس من حيث مضمون المادة الأثرية فحسب بل الأهم من حيث طريقة عرضها في المتاحف الغربية. كان غرابار في حواراتي الطويلة معه يتحسر بشكل مستمر بسبب محدودية الاهتمام بالمادة الأثرية الإسلامية عرضا وبحثا في الأقطار الإسلامية. رغم إيمانه بالأحقية الإنسانية التي تتجاوز الأعراق والخلفيات الثقافية في القدرة على دراسة هذه المادة، إلا أنه كان يرى في عدم التوازن القائم أمرا غير طبيعي خاصة بعد أكثر من خمسين سنة من تجربة الدولة ما بعد الكولونيالية العربية. غير أن العرض المتحفي يحتاج أيضا استثمارا مماثلا في المجال البحثي. هناك اهتمام قطري بالمجال البحثي خاصة عبر تخصيص كرسي للفنون الإسلامية في جامعة الكومونويلث وتنظيم ندوات دولية حول الفن الإسلامي (مثل ندوة «الألوان في الفن الإسلامي» في غرناطة مؤخرا). غير أن التفاعل العربي العربي والرفع بمستوى مراكز البحوث الأثرية وأقسام الآثار الجامعية العربية يبقى موضوعا في غاية الأهمية. بل إن بعض الأقطار العربية لا يزال يفتقر لمجرد أقسام أثرية في جامعاتها.
مثلما أشار لي غرابار لا يزال هناك أمر أساسي محدود: «مراكز» ثقافية عربية تماثل في نشاطها وحيويتها الأكاديمية المستويات الغربية. وهو ما يحتاج مساهمة الجميع بدون انتظار.