مطالب الإصلاح السياسي في العراق.. موضوع «للمزايدات الحزبية»
فاضل الربيعي
2008-12-09
يبدي السياسيون العراقيون على اختلاف مشاربهم الفكرية والعقائدية هذه الأيام، ما يُفهم منه أنه نوع من التبرم والضيق بنظام المحاصصة الطائفية، وآخر المتحدثين عن مأزق نظام «تقاسم السلطة على أساس طائفي» هو نائب رئيس الجمهورية (عن أهل السنّة كما يقدم نفسه) السيد طارق الهاشمي الذي خرج -على غير المألوف والمعتاد- ليقول إنه وحزبه الإسلامي ومعه جبهة التوافق على استعداد تام للتخلي عن حصتهم في السلطة لقاء التخلص من «نظام التحاصص الطائفي البغيض»، ويأتي هذا التصريح في وقت تتعالى فيه الأصوات المطالبة بتطبيق ما بات يعرف بـ «وثيقة الإصلاح السياسي»، وهي الوثيقة التي توافقت أحزاب العملية السياسية وأطراف الحكم على توقيعها من أجل تمرير الاتفاقية الأمنية بصورة توافقية، أي على أساس الإجماع الوطني، حسب التعبير الدارج في الخطاب الحكومي، فما الذي يجعل من مطالب الإصلاح السياسي أمراً ملحاً، بينما يدور السجال في العراق حول الاتفاقية الأمنية؟
إذا ما وضع هذا التصريح الناري -وسواه من التصريحات والتقولات ضد المحاصصة الطائفية والصادرة عن أطراف في العملية السياسية- في سياق التحضير لانتخابات مجالس المحافظات غير المنتظمة في إقليم، فإن كل السجال الدائر حول التحاصص الطائفي سيبدو مفهوماً تماماً، ذلك أن استطلاعات الرأي وعمليات جس نبض الرأي العام العراقي تبرهن اليوم وبشكل غير مسبوق على حقيقة أن تغيّراً مذهلاً يحدث في المزاج السياسي الشعبي، فحواه ببساطة هو تعاظم الرفض للجماعات الدينية و»الطائفية» الشيعية والسنية على حد سواء، والمثير للاهتمام أن أوساطاً نافذة في الأحزاب الممسكة بالسلطة، لم تعد تتردد في القول إن الناخب العراقي سوف يصوت في الانتخابات المزمع إجراؤها لاختيار «حكومات محلية» للأحزاب العلمانية نكاية بالجماعات الدينية والطائفية! بل إن الصراع الخفي الدائر بين حزب الدعوة الإسلامي (الذي يقوده رئيس الوزراء) والمجلس الإسلامي الأعلى بقيادة الحكيم، حول مجالس الإسناد العشائرية التي شكلتها الحكومة، هو مجرد تعبير واحد وحسب عن درجة الذعر من صعود «العلمانيين في الأقاليم الجنوبية»، وبالتالي الخوف من تفرّد الدعوة -دون المجلس الأعلى- في الحصول على أكبر عدد من مقاعد مجالس المحافظات في حالة إجراء التصويت لصالح قوى علمانية أو ليبرالية، هذا الخوف الذي يدفع الائتلاف الشيعي إلى التنازع الحزبي المكشوف، هو نفسه الخوف الذي يدفع بعض الأطراف «السنية» إلى التعبير عن مأزق «نظام التحاصص»، ولقد وافق من يطلقون على أنفسهم تعبير «ممثلو أهل السنة» على الاشتراك في تأسيس هذا النظام على أساس طائفي، بل ودافعوا بكل قوة عن ضرورته وحيويته، وذلك حين مرروا الدستور لقاء وعد بتغيير بعض بنوده في غضون أشهر، غير أن ما حصل عليه أهل السنة -كما يسمون أنفسهم- لم يكن أكبر من أذن الجمل! وبالفعل لم تحصل جبهة التوافق ومعها الحزب الإسلامي من «جمل السلطة» إلا على الأذن، بينما استأثرت بقية الطوائف والأعراق على حصص أكبر.
ولذلك، يعكس خطاب الهاشمي عن رفض المحاصصة، لا شدة ودرجة هذه المخاوف مع الصعود المتوقع للقوى العلمانية، وإنما كذلك شدة ودرجة الإحساس بمخاطر المضي قدماً في هذه الطريق، وكأننا به يقول لأنصاره: والآن وقد بلغنا المنعطف الخطير، فإن علينا التأهب لمواجهة خطر السقوط في الهاوية، وهذا حقيقي تماماً.
وبالطبع، فإن جبهة التوافق ومعها الحزب الإسلامي، تدرك جيداً أن حصتها باتت مهددة داخل النظام السياسي القائم، وأن دورها السياسي برمته أصبح رهناً بمصيرها هي في انتخابات مجالس المحافظات، كما أن قوى «علمانية» أخرى تعمل داخل الوسط السني، يمكن أن تصبح في أي وقت، قوة انتخابية أو سياسية منافسة، ويمكن -في هذا السياق- ملاحظة أن الوظيفة الفعلية للدور السياسي الذي تولت التوافق والحزب الإسلامي التعبير عنه في وقت سابق، ربما منذ تجربة مجلس الحكم الذي قاده الحاكم المدني بول بريمر، قد انتهت أو تضاءلت أهميتها إلى الحد الذي أضحت فيه كل الجماعات الطائفية، وليس التوافق وحدها، خارج وعي أنصارها بالمهام المطروحة في الساحة السياسية، وبكلام آخر، أصبحت أقل قدرة على تقديم الجواب المطلوب عن الأسئلة الملّحة، وفي مقدمتها سؤال المحاصصة نفسه، فما الذي تبقى أمام التوافق والحزب الإسلامي للهرب من هذا الخطر سوى الدعوة إلى «الإصلاح السياسي» ورفض المحاصصة الطائفية؟ لا شيء.
لقد بات الخطر داهماً، وأضحت المصاعب المحيطة بالدور السياسي للأحزاب والجماعات التي سهرت عند مهد نظام المحاصة الطائفية، حقيقية وجدية، ولم تعد مجرد مصاعب وعثرات عابرة أو ثانوية، وذلك ما يفسر لنا السبب الحقيقي للمخاوف التي تنتاب ممثلي الطوائف، ولئن كانت انتخابات مجالس المحافظات هي التي سوف تضع اللبنة الأولى في فيدراليات الأمر الواقع، فإن هذه الفيدراليات قد تكون من نصيب قوى جديدة لم يحسب لها الحساب، ومع ذلك فإن الأمر المؤكد أن نقد نظام المحاصصة لا يصدر عن رفض جذري، بل عن نوع من المزايدات السياسية التي تضرب في قلب الصراع الخفي بين طوائف تعاقدت على تقطيع أوصال العراق دون رحمة.
في عالم السياسة، ليست المزايدات لعبة الأقوياء وحدهم، بل إنها لعبة المهزومين أو الذين يشعرون باقتراب لحظة هزيمة مشروعهم.