2008-12-28
ربما يتسرع البعض ويعتقد أن الرئيس السوري جاهز لتوقيع «اتفاق سلام» مع رئيس الوزراء الإسرائيلي المستقيل إيهود أولمرت. هكذا يتجه عدد من التعليقات في المنطقة وعبر العالم. لكن يوجد ما يكفي من المؤشرات المشككة في ذلك.
في أعقاب تفجر أزمة القوقاز في أغسطس الماضي والزيارة بالغة الرمزية للرئيس السوري لروسيا وتصريحاته التي بدت مؤيدة للاجتياح الروسي لجورجيا بادر البعض لاعتبار تلك الخطوة توجها سورياً يضع أوراقه في خانة الدب الروسي بشكل يراهن على استعادة أجواء الحرب الباردة. غير أن متابعة متأنية لمجمل السلوك الروسي في ذلك الأسبوع يلاحظ الجهد الكبير الذي تم بذله إعلاميا لعدم إرسال إشارات حاسمة حول دعم الموقف السوري بشكل كامل وعلى نحو يستفز واشنطن. إذ أعلنت مواقع إعلامية سورية رسمية أو مقربة من الموقف الرسمي نقلا عن «مصدر سوري مطلع» نفيا مشددا للأخبار التي راجت إثر الزيارة حول موافقة سوريا على استقبال صواريخ روسية على أراضيها.
ربما لا يمكن أن نقول إن بشار الأسد نسخة من أبيه، إلا أنه ورث عن والده الراحل حذره الشهير. فالأخير تسلم السلطة في سياق صراع مع «أقصى يسار» حزب البعث وبالتحديد حول ملفات من نوع درجة الانحياز للسوفيات في الحرب الباردة. الأسد الأب معروف عنه حرصه البالغ على عدم تحريك قطعه بالشكل الذي يجعله مستعدا بشكل كامل للولايات المتحدة ومتجاهلا أسس موازين القوى في المنطقة. صفة الحذر تعني عدم التسرع بشكل عام. ومن هذا المنطلق تحديدا يجب النظر إلى موضوع الموقف السوري من «اتفاق سلام» مع حكومة تسيير أعمال مثلما هو وضع حكومة إيهود أولمرت.
شخصية الرئيس السوري بصدد النمو وهي الآن مختلفة عما كانت عليه منذ سنوات. لكن الظروف المحيطة به مختلفة أيضا عما كانت عليه منذ سنوات. مثلما التقط ديفيد إغناتيوس الصحافي المخضرم في «واشنطن بوست» في حواره هذا الأسبوع مع الأسد الابن فإن الأخير بدا أكثر ثقة وارتياحا عند اختيار كلماته عما كان عليه في آخر حوار بينهما عام 2003 في خضم الحرب الأميركية على العراق. مقابل رجل يسرد أجوبته كأنه يقرأ من نص محضر بشكل مسبق بدا الأسد الابن الآن منشرحا وأكثر عفوية في الوقت ذاته الذي بدت فيه كلماته ذات معنى. نقل إغناتيوس جملة من الرسائل الموجهة إلى الإدارة الأميركية الجديدة من بينها طبعا جدية الموقف السوري فيما يتصل بـ «السلام» وبالتحديد بوصفه «خيارا استراتيجيا» لكن على أسس «الأرض مقابل السلام» وليس على أسس صفقة سياسية تحجم الخيارات السورية في خصوص تحالفاتها في المنطقة. بمعنى آخر ضمّن الرئيس السوري في رسالته هذه، مثلما كان الحال في مؤتمر صحافي مفتوح على وسائل إعلام أجنبية خلال الأسبوع الماضي، موقفا لا يرغب في القبول بالتفاوض على أسس أقل أو أكثر من «الاستعادة الكاملة لهضبة الجولان» وبشكل أوضح من دون القبول بشرط «التخلي عن دعم الإرهاب» بما في ذلك الارتباط بمسار تحالفه التاريخي مع إيران. وتعبيره اللافت عن ضرورة الانتقال إلى «مفاوضات مباشرة»، وهو التعبير الذي جلب أكثر الانتباه، يبدو أنه غطى على النقطة الأساسية في التجاذبات السورية الإسرائيلية الراهنة أي نقطة الشرط الإسرائيلي السياسي للمفاوضات.
إذ هذا تحديدا ما كان يشكل «منطق» أولمرت في قبوله التفاوض سرا مع الأسد. سواء في حواره الشهير مع صحيفة «يديعوت أحرنوت» في سبتمبر الماضي عندما أشار إلى أنه «حان الوقت للقيام بتنازلات مؤلمة» على الجبهة السورية أو عند لقائه قيادات يهودية أميركية في آخر زيارة له لواشنطن ومواجهته انتقاد الرئيس بوش لقبوله مبدأ التفاوض مع سوريا. يكمن وراء كل ذلك الاعتقاد بأن ما لم يكن ممكنا تحقيقه عسكريا خلال حرب يوليو 2006 من الممكن تحقيقه سياسيا من خلال تحييد سوريا وفصلها من حلقة الحلف السوري الإيراني في المنطقة.
لكن من الواضح أن الطرف الإسرائيلي بصدد التقاط الإشارات السلبية من دمشق. إذ صرح إيهود باراك الشريك في الحكومة الحالية أن رغبة سوريا في استعادة كامل الجولان مطلب «غير واقعي». وتم التركيز في الأثناء على استطلاع رأي يشير إلى رفض غالبية الإسرائيليين التخلي عن الجولان لتشككهم في تحقيق ذلك أي نتائج سياسية إيجابية.
كما أنه من الصعب أن تقبل دمشق في المقابل المخاطرة بتوقيع اتفاقية مع رئيس وزراء ضعيف للغاية مثلما هو حال أولمرت. في أقصى الحالات سيحاول السوريون تأكيد صواب موقفهم التفاوضي تاريخيا من خلال إلزام أولمرت بالتمسك بـ «وديعة رابين» ومن ثم بعث بعض الحياة في النقطة التي يرغب السوريون في عودة مسار التفاوض إليها. الأهم من كل ذلك أن ظروف العام 2003 تغيرت. لم تعد سوريا بموضع المحاصر والمهدد في أي وقت بمصير عراقي. تآكل الحصار السياسي والمستقبل الأميركي في العراق أصبح مرتهنا، مثلما تشير أوراق الرئيس الأميركي المنتخب، لترتيبات سيكون فيها لسوريا تحديدا دور بارز.
مرة أخرى يجب الانتباه هنا إلى الموقف الروسي. يرغب السوريون بطبيعة الحال في تغيير موازين القوى في المنطقة بما يؤثر على النفوذ الأميركي. روسيا لا تبخل ببعث الإشارات الدالة على عزمها استعادة دورها في المنطقة. في هذا الأسبوع فقط تم الإعلان عن صفقة عسكرية روسية مع كل من سوريا وليبيا تذكّر حتى شكليا بأجواء الحرب الباردة من خلال بيع صواريخ «أرض جو» بقيمة تناهز 200 مليون دولار. الإعلام الروسي أعطى قيمة كبيرة هذا الأسبوع أيضا لتقرير تصدره المؤسسة الاستشارية الحكومية «مجلس أمن روسيا» الذي يقوده أقرب مقربي رئيس الوزراء الروسي وخليفته السابق على رأس المخابرات الروسية نيكولاي باتروشاف. التقرير الذي يتشبه بنظيره تقرير «المجلس القومي للاستخبارات» الأميركي هو تقرير استشرافي حتى العام 2020، ويشير بوضوح إلى اعتقاد الكرملين بأن روسيا خرجت من «أزمة انتقالية» مرت بها منذ انهيار الاتحاد السوفيتي وأنها تسترجع نفوذها الآن على الأقل في محيطها السوفيتي المباشر خاصة في القوقاز وآسيا الوسطى وتستشرف حروبا قادمة حول الطاقة وتشير إلى الولايات المتحدة كـ «منافس» رئيس في مناطق الصراع بما في ذلك في المنطقة العربية.
لكن مثلما أشرت أعلاه بقدر ما ستسعد دمشق بزمجرة الدب الروسي فإنها كالعادة ستكون حذرة في انتشائها. بالقدر الذي تفهم فيه أنها ليست مستعجلة وفقا للظروف الذاتية والموضوعية على توقيع «اتفاق سلام» بشروط سياسية لا ترغب فيها، بقدر ما تفهم فيه أيضا أنه لا يمكن التعويل على الرؤية الروسية التي، في الواقع، تقرب الأماني أكثر منها توصيفا لواقع قائم. إذ إن روسيا مصممة مثلما يشير التقرير أعلاه على العودة إلى سباق التسلح مع الولايات المتحدة في الوقت الذي ما زال نموها الاقتصادي هشا من خلال اعتماده شبه الكامل على قدراته الإنتاجية في ميدان الطاقة المتقلب الأسعار بعكس النمو الصيني الأكثر صلابة من خلال اعتماده على بنى صناعية وتجارية أكثر مردودية وقدرة على التنافس. وبما أن الصين ما زالت غير جاهزة لأخذ مكان الولايات المتحدة، لأسباب مختلفة على رأسها أن النمو الصيني الراهن قائم بالأساس على تحالف اقتصادي أميركي صيني (يسميه البعض «صيأميركا»)، فإن على دمشق مواصلة تقليدها السياسي الأهم، أي الحذر الشديد في وضع بيضها في السلال المتاحة في المنطقة. وهنا لا يجب خلط إشارات الرغبة في «التفاوض المباشر» مع صفقة «سلام» بشروط سياسية غير مرغوب فيها حتى الآن من قبل دمشق.
أستاذ «تاريخ الشرق الأوسط» في جامعة روتغرز