2009-01-04
من دون شك لا يمكن بأي حال تبرير الاعتداء على قنصلية أو ممثلية مصرية من قبل أي جمهور عربي. كما أن بعض الحشد الإعلامي الذي ركز جل وقته على الموقف المصري في خضم القصف الإسرائيلي على غزة كان في غير مكانه ولا يعكس مصلحة إدارة الصراع الحقيقي. ولا أعتقد أن السيد حسن نصرالله سينظر بعين الرضا في سياق زمني آخر لبعض تفاصيل خطابه هذا الأسبوع، خاصة تلك التي تعلقت بعدد الموتى الذي لا يمكن بعده للشرطة المصرية أن «تقتل» مواطنيها.
لكن من غير الفعال، أيضا، أن تنخرط القيادة المصرية وآلتها الإعلامية في خطاب يضع الحكومة المصرية واختياراتها الاستراتيجية وأداءها الإعلامي في مرتبة المقدس من خلال المساواة بين مصر الحكم ومصر الوطن. مجرد فطرة أي مشاهد عربي لما يجري تجعله يعرف أن مصر أكثر تعقيدا من أن تختزل في الموقف الحكومي أيا كانت خياراته. هذا إذا تركنا جانبا توصيف واقع العلاقة بين ممارسة السلطة والتمثيل السياسي الشعبي في السياق المصري وهي العلاقة التي لا يمكن أن تكون مرضية حتى في إطار الحريات الإعلامية المميزة لمصر عربيا. كما أنه من غير الدقيق تصوير حنق بعض الشارع العربي على الموقف المصري بأنه مجرد تعبير «غوغائي» مثلما سمعت أكثر من مرة في بعض المواقع الإعلامية المصرية إلى الدرجة التي يصبح فيها جوهر الجدال هو ما إذا كان الذين هجموا على القنصلية المصرية في عدن «يمنيون» أم «غير يمنيين». كأن من غير الممكن أن يحتج يمني على سياسة مصرية ما. ففي «دفاع» من هذا النوع يتم صب الزيت على النار لا غير.
لكن لنأمل ألا تذهب أزمة الثقة تجاه القيادة المصرية هباء. لنأمل أن يكون الجدال الراهن فرصة يتم فيها نقاش هادئ وجدي، مصري وعربي، حول رؤية القيادة المصرية للوضع في غزة من حيث أبعادها الاستراتيجية مثلما تتكشف عبر ما حدث في غزة. لنترك جانبا الاتهامات التعميمية والمؤدلجة التي تضع الموقف المصري في أطر لا يمكن إثباتها عدا أنها تحاكم النوايا. فأول المصادرات التي على أي راغب في نقاش مماثل تثبيتها هو أن الظروف الجيوسياسية المصرية لا يمكن أن تسمح لأي قيادة فيها أن تكون ذيلا لأي طرف إقليمي أو دولي. وهنا علينا التفريق بين الخيار الاستراتيجي ومواقع أخرى تتناسب مع أطراف ضعيفة بالقوة. ومن هذه الزاوية تحديدا تكون توقعات الجمهور العربي مما ستفعله مصر دائما أكثر ارتفاعا ومن ثم تكون خيبتها أكثر حدة. لكن رغم ذلك لا يمكن لأحد أن يدعي أن جيوسياسية مصر الخصوصية تعني تاريخا أحادي الطابع تتطابق فيه سلوكات القيادات المصرية المعاصرة. حيث لا يمكن مقارنة الخيارات الاستراتيجية التي اعتمدتها القيادة الناصرية مع تلك التي اعتمدتها القيادة الساداتية.. وهكذا دواليك.
وحتى نجرب فهم الاستراتيجية المصرية الراهنة لنرجع إلى أحداث غزة. لا يمكن عدم ملاحظة التوافق بين الخطاب الإسرائيلي المرافق للهجوم على غزة مع خطاب بعض الأطراف العربية الموسومة بـ «الاعتدال» خاصة الطرف المصري. وبعيدا عن قراءة النوايا يجب أن تتم مساءلة جدية لمدى الحكمة من أن يردد الرسميون المصريون للنقطة الرئيسية في حملة العلاقات العامة الإسرائيلية، أي تحميل «حماس» المسؤولية عن «رد فعل» إسرائيلي بمعزل عن كل التوصيفات اللاحقة التي تسمي «رد الفعل» هذا بـ «العدوان» و «الهمجية» و «انعدام التوازن». ردد رئيس الدبلوماسية المصرية لأكثر من اللازم ما سيصبح جزءا من ميراثه السياسي: «لقد حذرنا حماس». ولكن هل المسألة فيما يجري الآن في غزة هو أن حماس لم تقتنع أو تمتثل للتحذير من هجوم إسرائيلي؟
ينقل تقرير صادر أخيرا (19 ديسمبر) عن «مجموعة الأزمات الدولية» أن قيادات «حماس» كانت تعرف جيدا أن عدم تمديد «التهدئة» سيعني هجوما عنيفا. كان النقاش (ولا يزال مع منتصف الأسبوع الماضي بين جل المحللين الجديين) هو مدى اتساع هذا الهجوم خاصة نحو عملية برية. تقارير أخرى عربية أشارت إلى أن «حماس» أعدت خطة ونفذتها لإخفاء الهيكل الأساسي من جهازها السياسي والعسكري. الخطأ الميداني الأساسي أي السماح بإقامة حفل تخرج كلية الشرطة والذي حصدت منه الهجمات الجوية الإسرائيلية أرواحا كثيرة هو خطأ ناتج بالتحديد عن انسياق مصري في الحملة الإعلامية الإسرائيلية. ليست تقارير إسرائيلية فقط تقول ذلك (مثلا تقرير صحيفة «هآرتس» 28 ديسمبر) أو تصريحات قيادات «حماس»، بل أيضا أداء القيادة المصرية ذاتها. إذ بعد الثماني والأربعين ساعة التي تمسك فيها الموقف المصري بجملة «لقد حذرنا حماس» لم تخف أوساط مصرية إعلامية مستقلة ومؤثرة دهشتها من صمت وزير الخارجية المصري أمام تهديدات تسيبي ليفني بالهجوم على غزة من القاهرة. فقط بعد ذلك قرر السيد أبوالغيط الظهور إعلاميا للدفاع تحديدا عن «خفايا» الزيارة والتي قال إنها كانت تتعلق أيضا بـ «تحذير» لكن في اتجاه آخر أي من القاهرة إلى تل أبيب.
وهنا نأتي لخطاب الرئيس مبارك الذي أتى في نفس السياق. كان ركن الزاوية في الرؤية التي دافع عنها الخطاب هي ربط فتح معبر رفح بالسقوط في فخ إسرائيلي. مشروع «غزة أولا» الذي تم تداوله إسرائيليا بالتأكيد ليس مشروعا خيريا بل هو مثلما وصفته القيادة المصرية مشروع تصفوي يدخل في إطار مشاريع «الوطن البديل» التي سادت في الأوساط الإسرائيلية خاصة قبل بدء «عملية السلام» بداية التسعينيات. بدأ التركيز المصري الرسمي على مشروع «غزة أولا» في سياق الجدال حول معبر رفح بشكل خاص عند اقتحامه في بداية العام الماضي. لكن الرؤية المصرية بهذا الصدد تقوم أولا بمصادرة غير واقعية وهي أن مجرد فتح المعبر بالتعاون مع الحكومة المقالة سيعني بالضرورة إنهاء الحدود المصرية الفلسطينية وهروبا فلسطينيا جماعيا نحو سيناء. حركة المعبر كانت منسابة في وقت الإشراف الأوروبي والسلطة الفلسطينية على المعبر ولم يحدث أن قرر الفلسطينيون الهجرة الجماعية إلى مصر لمجرد فتحه. حتى في أجواء الحصار حرص الفلسطينيون على الرجوع إلى غزة بعد اقتحام المعبر. لكن الأهم من ذلك أن ظروف الحصار الإسرائيلي تجعل من المصلحة الوطنية المصرية قبل مصلحتها القومية، إن كان هناك فرق، أن تفتح المعبر ومن ثمة تفشل الحصار لكي تفشل أي سبب يدفع الفلسطينيين للخروج من غزة.
يقدم الخطاب المصري غلق معبر رفح ضمن سياق الحرص المصري على «مصلحة الشعب الفلسطيني أولا». لكن ذلك لا يبدو دقيقا. المشكلة التي تبدو -عقلانيا وواقعيا- السبب الرئيسي وراء الموقف المصري والتي يقع تقديمها عادة بين ثنايا التعليقات الإعلامية غير الرسمية هو الذي يذكر بالالتزامات الدولية فيما يخص ضبط الحدود بما في ذلك «اتفاقية السلام» المصرية الإسرائيلية. المفارقة الراهنة بالنسبة للقيادة المصرية هي أنه بالقدر الذي تفهم فيه أنها لا يمكن أن تتهرب من «دور قومي» ما وبالقدر الذي تصعد فيه هذا الفهم بلاغيا إلى مستوى يقدم استراتيجيتها ضمن إطار «الزعامة العربية»، بنفس القدر تميل بشكل حاسم نحو وضع الانكفاء الذاتي ورفض لعب دور «الرعاية القومية». بالقدر الذي تتحدث به عن أن خياراتها ناتجة عن «فلسطين أولا» فهي تحسم مواقفها نتاجا لمبدأ «مصر أولا». المفارقة قوية إلى الحد الذي لم يعد من الممكن أن نفهم إذا ما كان هناك إدراك بالخلط بين الاستراتيجيتين على مستوى الخطاب.
طبعا من حق القيادة المصرية أن تختار الاستراتيجية التي تناسبها. لكن حتى نعود إلى موضوع مسؤولية «حماس» فإنه من غير الدقيق الاستمرار في التركيز على موقف «عدم تمديد التهدئة» من دون الإشارة إلى أنه موقف لا يخص «حماس» وحدها أو بعض الحركات «الأصولية المتطرفة» بل يشمل تحالفا فلسطينيا في قطاع غزة يضم فصائل من تنظيمات يسارية حتى إلى فصائل قريبة من «فتح». حيث ترغب حملة العلاقات العامة الإسرائيلية تصوير ما يجري على أنه صراع بين «أصوليين متطرفين» و «معتدلين». كأن الصراع السياسي بين الفلسطينيين حول طريقة إدارة الصراع لم يوجد قبل عشرات السنين حتى من ولادة «حماس». كما أنه من غير الدقيق الحديث عن «رفض تمديد التهدئة» من دون الإشارة إلى أنه كان من قبيل المعجزة أن أمسكت «حماس» بالوضع الأمني وفرضت التهدئة عدا ردود الأفعال التي تنشأ عن خروقات إسرائيلية بما في ذلك ما حدث يوم 4 نوفمبر الماضي. الحكومة المقالة كانت تشتكي من هذا الوضع للقيادة المصرية وعرضت على «مركز كارتر» مراقبة الهدنة. السيدة كارين أبوزيد ممثلة «الأونروا» في غزة صرحت هذا الأسبوع بأن الفصائل الفلسطينية في غزة التزمت بـ «التهدئة» مقابل خرقها من قبل الطرف الإسرائيلي وتشديد الحصار الذي طال المساعدات الدولية الإنسانية.
تبقى أرضية وحيدة يمكن أن نسأل على أساسها القيادة المصرية بمعزل عن تعريفها لمساحة «الأمن القومي» لمصر: هل يمكن لقيادة مصرية حكيمة وفي سياق المصلحة المصرية أن تبقى مكتوفة الأيدي وهي تحت حصار قاتل وفي سياق «تهدئة» لا يحترمها الجانب الآخر؟ لا يمكن لأحد أن ينظر إلى «حماس» كملاك أو أنها لا ترتكب أخطاء، غير أنه لا يمكن توقع الثناء عند رمي القيادة المصرية المسؤولية عليها خاصة تحت شعار الحرص على «المصلحة الفلسطينية».