2009-01-18
لن يكون من المفاجئ أن يتم الإعلان عن وقف إطلاق نار «مؤقت» أو «من جانب واحد» مع نشر هذه السطور أو بعدها بقليل، ومهما كان توقيت إنهاء الحرب على غزة فهي ستنتهي مثلما يجب لكل حرب يخوضها جيش نظامي لا يحتمل حروباً طويلة -مثلما هو جيش الاحتلال الإسرائيلي- أن تنتهي، لكن عموماً يمكن من الآن تبيّن الملامح العامة لوضع ما بعد الحرب أو ما ستؤول إليه الحرب.
كنت أشرت في مقال الأسبوع الماضي إلى خمس نقاط من المفيد أن ألخصها في سياق هذا المقال: رغم الاختلافات البديهية بين حرب غزة 2009 ولبنان 2006 فإنهما تنتميان إلى الحروب التي تشترك فيها حركات تقاتل بين مواطنيها وعائلاتها وهي الفرصة التي لم تتوفر دائماً في تاريخ الحروب التي خاضتها المقاومة الفلسطينية. الأخيرة استفادت من خبرة المقاومة اللبنانية في القتال من خلال الانقسام إلى وحدات مستقلة بذاتها تعمل تحت الأرض وهو الأمر الذي يمكن تبيّنه من خلال ردود فعل إسرائيلية بالتصريح أو من خلال العمل العسكري الميداني الممتنع عن الدخول في «المرحلة الثالثة» من خطة الحرب وبالتالي الاشتباك الفعلي مع المقاومة. قيادة الترويكا الإسرائيلية حاولت التهرب من «فينوغراد» ثانية من خلال عدم إعلان «أهداف» العملية ومن ثم عدم التعرض للمحاسبة، غير أن قيادة الجيش أعلنت عنها في سياق المأزق الذي تعرض له «الرصاص المسكوب» بداية من الأسبوع الثاني للحرب، وهي جميعاً أهداف لا يمكن تحقيقها من دون تدمير شامل حقيقي لغزة. وهكذا فإن العمليات التفاوضية كانت تعبيراً عن المأزق العسكري، إذ الامتناع عن الاشتباك برياً مع المقاومة جعلها بمنأى عن أي ضغط في الميدان ولم يصبح وقف إطلاق النار مطلوباً إلا لإنقاذ المدنيين من المجازر اليومية.
لم يحدث تغير كبير خلال الأسبوع الماضي، ميدانياً استمر القصف من بعيد والتوغلات المترددة والتي استكشفت ردود المقاومة بما يكفي حتى لا تستمر فيها. الإنجاز الرئيسي (المخابراتي) الذي حققته قوات الاحتلال كان الاغتيال السياسي لوزير الداخلية سعيد صيام مع أفراد عائلته فيما سماه أحد المعلقين الإسرائيليين في صحيفة «يديعوت أحرنوت» بأنه «صورة النصر» داعياً إلى وقف الحرب بعده. ليست وجهة النظر هذه الباحثة عن «صور» النصر وليس «النصر» ذاته مقتصرة على المراقبين الإسرائيليين من بعيد بل هو رأي غالبية الحكومة الأمنية المصغرة وبالتحديد المشرف العام على الشؤون العسكرية إيهود باراك ذاته. الأخير لم يتوقف، وبمساعدة تسيبي ليفني، عن الإلحاح بوقف الحرب «قبل انتهاء المكاسب». أولمرت الذي لم يعد مهتماً بمستقبله السياسي (لأنه لم يعد موجوداً) يريد الانتحار بالجميع وهو ما جعله يرفض حتى الاجتماع مع باراك وليفني حتى يتجنب الضغوط للتقدم في المفاوضات، وذهب مساعدوه حتى توجيه اتهامات علنية لباراك بأنه «يشجع حماس». فرغم البعد الاستراتيجي للمعركة فإن مأزقها حرر الأحقاد الشخصية القوية المعروفة بين ثالوث القيادة الإسرائيلية من عقالها.
كانت «الأخطاء الكارثية» في حرب لبنان 2006 حسب تقرير «فينوغراد» كالتالي: تحديد أهداف قصوى غير واقعية (أي «تدمير حزب الله»)، والانتظار أطول من اللازم لتجنيد الاحتياط من أجل المعركة البرية، وأخيراً الانتظار أكثر من اللازم للدخول في الحرب البرية. لندع جانبا نقطة الضعف الرئيسة في تقرير «فينوغراد»، إذ هو في نهاية الأمر نص يؤمن في الأساس بأن العجز العسكري كان ناتجا عن قرارات تكتيكية وليس في الجوهر الاستراتيجي للمعركة أي بين قوة نظامية محتلة وقوة مقاومة شعبية تدافع عن أرضها، المشكلة الآن أنه حتى «الأخطاء التكتيكية» لم يتم تعلم الدروس منها. يجب أن أذكر هنا بأهداف عملية «الرصاص المسكوب» مثلما تم الكشف عنها من قيادة الأركان الإسرائيلية: «تخفيض كبير في نيران الصواريخ، تدمير بنية الإرهاب، إضعاف موقع وتنظيم حماس وكذلك إبعادها من موقع السلطة، خلق توازن للردع، تخفيض الدعم الشعبي لحركة حماس، كما أن إسرائيل لا يجب أن تظهر في موقع المسؤول عن وضع الفلسطينيين في غزة، فهذا دور قيادة مركزية فلسطينية يتم خلقها في غزة يقودها رسميون معتدلون وبراغماتيون». في هذه المرحلة من الحرب يصبح من الممكن تبين لا واقعية هذه الأهداف خاصة منها «التخفيض الكبير» في عدد الصواريخ و «إبعاد حماس من السلطة» و «خلق» قيادة فلسطينية «براغماتية». القصف الهمجي في غزة مثلما أشار بكل البديهية الممكنة حتى المراقبون الموالون لإسرائيل لم يفعل إلا أن قوّى من شعبية حماس وأضعف «البراغماتيين».
لم يتم تعلم الدرس الآخر الأساسي من تقرير «فينوغراد»: إذ إنه في غزة 2009 تم التراخي في دخول «المرحلة الثالثة» من العملية إلى الحد الذي أصبح بادياً فيه للمقاومة الفلسطينية أن هناك امتناعاً إسرائيلياً من الدخول فيها أصلاً وهو ما أسهم في رفع معنويات المقاومة وقدرتها على الاستمرار، وهكذا بمعزل عن الطريقة الدعائية التي ستتم بها معالجة نتائج الحرب في الجانب الإسرائيلي فإنها عملياً لم تتجاوز سمات الفشل الذي حدده تقرير «فينوغراد» لما آلت إليه حرب لبنان 2006. عدا ذلك يمكن حصر بقية النتائج العامة للحرب فيما يلي:
- من وجهة نظر المقاومة الفلسطينية كانت القدرة الميدانية على توجيه رسائل قوية لقوات الاحتلال حتى لا تتقدم نحو «مرحلتها الثالثة» والقدرة السياسية على توجيه رسالة واحدة بما في ذلك على مائدة التفاوض تركز على النقاط الثلاث (وقف إطلاق النار، الانسحاب، رفع الحصار) التي كانت تشكل مطلبها قبل الحرب، الشروطَ التي ستؤمن لها مخرجاً إيجابياً يراكم نحو وضع جديد أفضل من السابق، فتغير الوضع الجيوسياسي في حروب من هذا النوع يتم ببطء ولكن بشكل ثابت وعميق.
- برزت بعض الرؤى حول قدرة حرب لبنان 2006 وغزة 2009 على لجم تنظيمات المقاومة وردعها حتى لا تفكر في القيام بأي «هجوم على إسرائيل». تاريخياً ما يحصل في الحقيقة أن الردع متبادل ويتقدم تاريخياً في اتجاه الأطراف المقاومة، إذ إن نتائج حرب لبنان 2006 -وعلى الأرجح غزة 2009- هي ردع القوة العسكرية الإسرائيلية من جهة تحقيق هدف كلاسيكي لديها كانت تنجح في تحقيقه حتى ثمانينيات القرن الماضي، أي إبادة أو تهجير حركات المقاومة الشعبية التي تواجهها. ما يحصل الآن أن هذه الحركات بقيت موجودة ببنيتها العسكرية والتنظيمية على الحدود اللبنانية وفي قطاع غزة وحتى في الضفة من دون تقديم تنازلات سياسية في أراضٍ محررة عملياً ومع كل حرب جديدة يكتشف الطرف الإسرائيلي صعوبة خوض حرب أخرى مع هذه الحركات غير الخاضعة لسلطة الدول. مجرد إنهاء هذه الحروب ببقاء حركات المقاومة في سياقها الجيوسياسي وعدم التزامها باتفاق سياسي ينهي هويتها السياسية والعسكرية يجعل من مفهوم «الردع» ضمن موازين القوى الراهنة خارج المصلحة الإسرائيلية. عنوان فشل مفهوم «الردع» من الزاوية الإسرائيلية هو أن إنهاء الحرب لا يتم باتفاقيات تحمل تراجعات سياسية بل من خلال اتفاقات وقف إطلاق نار غير ملزمة سياسياً، وهذا وضع غير مسبوق. ملامح «اتفاق وقف إطلاق النار» المحتمل تؤكد النقاط أعلاه، إن كان من «جانب واحد» فإن ذلك لا يعكس مجرد عناد إسرائيلي بل هو أيضاً في نهاية الأمر منح المقاومة الفلسطينية مجالاً لا يلزمها بأي سقف سياسي محدد، مقابل تركيز الضغط على الجانب المصري (الذي تتدرب عناصره الأمنية منذ أشهر على أجهزة الرقابة الجديدة حسب المصادر الإسرائيلية) أو باتفاق استخباري أميركي إسرائيلي لمحاصرة «تهريب الأسلحة» لا يبدو سوى إعلان عن تعاون قائم أصلاً، ما يشكل بالتحديد عنوان الفشل السياسي للعملية العسكرية.
- دافع الكاتب في «نيويورك تايمز» توماس فريدمان في مقال هذا الأسبوع عما اعتبره «منطقية» استراتيجية «تأديب حماس» من خلال قتل المدنيين في غزة، لأن هؤلاء المدنيين هم وسطها الاجتماعي وهذا ما سيشكل «الألم الكافي» حتى ترتدع عن إطلاق الصواريخ. لنترك جانباً الطابع البربري المعلن لهذه الطروحات، فسكان غزة يعرفون أنهم بالحصار أو القصف يتعرضون للعقاب الجماعي لأنهم يدعمون مقاومتهم، ولنترك جانباً أن قصف المدنيين يولد حالة من التضامن الداخلي والحنق على العدو الذي يرسل القنابل لا غير. لكن هناك جانباً آخر أصبح في العشرية الأخيرة جزءاً من المعركة وهو دمقرطة الصورة، لم يعد من الممكن ارتكاب المجازر في الظلمة واكتشافها بشكل رجعي، لم يعد تأثير قتل المدنيين مقتصراً على الذين يتعرضون للقتل بل يصل الذين يشاهدونه على الهواء بوسائط الاتصال المتعددة. المسيرات العربية والدولية اليومية ليست مجرد صراخ بل تقع ترجمتها إسرائيليا بأنها خسارة سياسية، وهي جزء من الضغط الدولي والصداع العربي الرسمي الذي، إذا تورط بأي شكل في العملية، سيحاول التنصل منها قدر الإمكان متى أصبحت لها إمكانية التأثير على التوازن الداخلي، كما أن سكان غزة أنفسهم يتابعون الحرب على الهواء مجازاً وفعلاً، هم أيضا يشاهدون المسيرات اليومية. في زمن سابق كان المقاتل الفلسطيني يقاتل ويحيط به الصمت، الآن يقاتل وهو يشاهد في الوقت ذاته النحت الجماعي لصورة «البطل» فيه، إذ تحسِم نصفَ الحرب الشعبية، الحربُ النفسية التي ترافقها. ربما تنجح بعض القوى الحقوقية في التقدم بعض الخطوات الجديدة نحو محاصرة جنائية للقيادات الإسرائيلية على جرائم الحرب في غزة، لكن من المؤكد أن الآثار السياسية لهذه الجرائم أمر حاصل وأصبحت جزءاً من توازن القوى، وفي مصلحة الضحايا هذه المرة.