2009-02-08
هناك في العادة علاقات ملتبسة بين أي دال ومدلول. كيف لا يكون ذلك وعلاقات اللغة ما هي إلا علاقات صانعها البشري الملتبس بالصراع والذي تصريحه غير متماهٍ في أحيان كثيرة مع تلميحه؟! الدال أو التعبير اللغوي ليس بالضرورة تعبيراً عما يدعي أنه موضوعه. من الدوال التي يمعن الخطاب الراهن في تمويه علاقتها بمدلولها كلمة «الاعتدال»، حتى إن البعض أصبح يرتاب من هذه الكلمة ويرى أنها فخ بذاتها، وأن مجرد القبول بها من دون وضع القوسين اعتراف بالهزيمة، وهكذا يتم اختطاف «الاعتدال». فهل يستحق «الاعتدال» وكلمته أن نرتاب منهما أو نخافهما؟
لنحاول أن نفهم لماذا تصبح كلمة بمثل هذه البساطة والرقة مشوهة السمعة، علينا أن نجرب النظر إليها لا من حيث إنها كلمة بقدر ما هي ثوب أيديولوجي مزوق. «الاعتدال» بما هو أيديولوجيا سائدة في السياق العربي الرسمي كلمة منفصلة عن مدلولها، هي مجرد حالة صوتية تشبه الحالة الصوتية لكلمة «الاعتدال». هي الشكل المختار لإخفاء تعبير فكري يرغب في التخفي. ويصبح الأمر في غاية السريالية عندما يأخذ الخطاب العربي الرسمي كلمة «الاعتدال» بجدية مفاجئة ويجعل منها ثابتا من ثوابت خطابه. عندما يصدق أنه يعني الكلمة ومدلولها وليس المنظومة الأيديولوجية التي ألصقها بها.
فكرت بكل ذلك عندما قرأت مقالا لمراسلة عربية مقيمة في واشنطن لإحدى الصحف العربية الدولية المقربة بدورها من أحد الأطراف العربية الرسمية. المقال الذي يتساءل عن قدرة أوباما على «عقد صفقات مع تحالف الممانعين» يمثل نموذجا كلاسيكيا للسلطة التي يمكن أن تمثلها كلمة «الاعتدال». ساق المقال عنصرين يحتاجان تحليلا خاصا ليس هذا مجاله، وهو ما يبدو أنه إعادة تموقع الطرفين الأميركي والتركي، ولو بدرجات مختلفة، من فسطاط «الممانعة»، الطرف الأول بإعلان رغبته في حوار معلن مع «الممانعة»، والثاني بقربه المتزايد وبعده المتزايد تباعا من قوى المقاومة الفلسطينية وإسرائيل. ليست المشكلة هنا أن هذه مؤشرات يجب أن تدعو للقلق بالنسبة لأطراف عربية رسمية عدلت أوتار المنطقة على مصادرات عملية من بينها ثبات مواقف «الحلفاء» الأميركيين والأتراك. من الصعب ألا نفهم حنق أي محلل مقرب من أي طرف عربي رسمي يشعر بالقلق تجاه أوضاع من هذا النوع. المشكلة، في المقابل، هي الصورة التي يتم عبرها إخراج هذا الحنق، إذ في هذه الحالة يصبح التحليل لائحة دفاع عن موقع «الاعتدال» لهذه الأطراف العربية، وعندها نشهد لحظة غير معتادة في الخطاب العربي الرسمي أو الخطاب المتواري وراءه بداعي «التحليل»، نشهد لحظة التنظير والتعبير عن عناصر المنظومة الأيديولوجية التي يرى عبرها المنطقة.
يقدم لنا المقال تشكيلة «الاعتدال» وخصائصه المركزية، خاصة منها الترابط الآلي بين دول محددة وبين تعابير «الاعتدال» و»الإصلاح» و»التعايش»: «حلف المعتدلين هو الشريك الطبيعي للولايات المتحدة لأنه محور الإصلاح والتعايش والاعتدال ويضم السعودية ومصر والإمارات والأردن وتونس والمغرب والبحرين واليمن والسلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس وسلام فياض». لكن الأمر أكثر تعقيدا، إذ هناك من لم يحسم أمره بعد: «العراق لا ينتمي رسمياً إلى محور المعتدلين، أما لبنان فإنه بالتأكيد من محور الاعتدال لو لم يعرقل اعتداله حزب الله، والكويت كذلك. عُمان تبدو أقرب إلى محور الممانعة مما هي إلى محور الاعتدال».
بطاقة «الاعتدال» هذه يصعب منحها لأي كان وفقاً لمثل هذه المعايير المضبوطة، وبالمناسبة يذكرنا المقال في هذا الشأن بأن تركيا خرجت عن السيطرة، وتلعب «دوراً مريباً» أقرب لـ «الممانعين». إن اللغز التركي، خاصة من خلال حوادث صدامية مثلما حصل في «دافوس»، يكمن في مجرد «التحدي الشفوي» لانتزاع أوراق «الوساطة». علينا في هذا السياق أن نقرأ جملاً تجرد ردة فعل رئيس الوزراء التركي من الآنية والحد الأدنى الإنساني، وجملاً تقرأ النوايا بشكل سلبي مطلق وتخلق الأعذار بشكل يجعل «بصاق» بيريز المتطاير ناتجاً عن «الطوق» الذي أطبق عليه من محاوريه، وأن مدير الحوار «الزميل» من صحيفة «الواشنطن بوست» كان «كبش الفداء» حتى «يعود أردوغان إلى بلاده بطلاً». ليست تركيا حملا وديعا ولا أيضا رئيس وزرائها، لكني أتساءل: كيف ستحلل المراسلة سلوكاً مماثلاً لمسؤولين عرب رسميين؟ هل ستقرأ نواياهم بسلبية تجردها أيضا من حياديتها الإعلامية المفترضة، ومن إنسانيتهم المفترضة؟
يقدم التحليل في الأثناء نصيحة أو رسالة إلى الإدارة الأميركية الجديدة: «عليها أن تقرر إن كانت مع الاعتدال والتعايش وإنهاء الإفلات من العقاب، أو مع حلف التطرف ورفض التعايش وإبرام الصفقات من أجل الإفلات من المحاسبة والعقاب، والتحايل على القوانين والقرارات الدولية». طبعا كل الكلمات تتوجه إلى انعكاس ما يمكن أن يجري في علاقة بالحوار مع سوريا، خاصة الانعكاسات على لبنان و «المحكمة الدولية» مع بروز أصوات في واشنطن تدعو للتخلي عنها في سياق الحوار الأميركي السوري المرتقب. لكن في أثناء ذلك كله تتراكم مرادفات «الاعتدال» في أفق من الصفات الوردية التي يفسر بعضها بعضاً، المعتدلون هم المصلحون، وهم المتعايشون (مع إسرائيل)، وهم المناهضون لـ «تطرف» البقية. «الاعتدال» هو كل هذه المنظومة السريالية في بعض أطرافها (خاصة أقصوصة «الإصلاح») والهشة واللاواقعية في بقية أطرافها (بما في ذلك موضوع «التعايش»). هل يمكن أن يفشل تعبير البروباغندا في توصيف خطاب من هذا النوع؟ عدا ذلك يجب أن نسأل عن مناهضة «التطرف» في سياق بعض الأنظمة التي تتطرف بشكل متفاوت على حقوق أساسية لدى شعوبها ولطالما بذرت ما يكفي من بذور «التطرف» (بكل تعريفاته) بالنسبة لبعضها، إذ يوجد لدى بعض الأطرف العربية الرسمية انفصام بالغ، يستنسخه صحافيوها، فهي «ليبرالية» في مقراتها الإعلامية الدولية ولنقل في أقل الأحوال «غير ليبرالية» عندما يتعلق الأمر بشأن داخلي مهترئ.
يمكن أن نختلف حول وجاهة أي موقف بشري لكن سنتفق بأية حال على أنه موقف يعبر بالتأكيد عن الزاوية التي ينظر منها قائله. اعتدالي أنا يمكن أن تنظر إليها أنت تطرفاً، وتطرفك أنت يمكن أن تنظر إليه اعتدالاً، ولكن خطاب «الاعتدال» الراهن يأخذ نفسه بجدية أكبر من اللازم، إذ لا يزال يلبس بكل حماسة ثوب «الاعتدال» الذي تم تجهيزه في سياق التحضير للحرب على إيران، أي في سياق متقادم. وبدلا من توجيه النصائح للآخرين حان الوقت أن يحاول أن يفهم لماذا يقوم معتدلون حقيقيون (ومصلحون أيضاً) مثلما هي تركيا بإعادة تموقعها (حتى تكتيكياً) وفق الظروف الراهنة.