2009-04-05
تقام يوم 9 أبريل الحالي الانتخابات الرئاسية الجزائرية، وبغض النظر عن النتائج (المتوقعة على كل حال)، والمعاني السياسية لهذه الانتخابات، ننظر كتونسيين عادة، مثل بقية مواطني دول المغرب، إلى الوضع في الشقيقة الجزائر بانتباه خاص، فقد كانت لدينا دائما علاقة معقدة مع الشقيق الأكبر (سكانا ومساحة) القابع في اتجاه الغرب: مزيج من الاحترام والحب، ولكن أيضا الخشية وأحيانا التبرم بمعزل عن التنوع السياسي والفكري في الساحة التونسية.
مشاعر الاحترام والحب تجد تعبيراتها في تاريخ التخوم المشتركة -وليس الحدود المشتركة- التي تفصل بين القطرين، إذ من النادر أن يتمثل تاريخ العشائر «التونسية-الجزائرية» المقيمة تاريخيا على طول الحدود السياسية الحديثة علاقة انفصال، في قرى ومدن ولايتي الكاف وجندوبة التونسيتين نجد مقدمات الطبيعة والبشر ذاتها التي تميز مدن وقرى ولايات سوق أهراس والطرف وعنابة الجزائرية، وذات الانطباع في ولايات الجنوب المتاخمة، حتى الحدود السياسية بمعناها المحدد، وليس الضبابي المميز لعهد دول المخزن، والتي تشكلت عبر اتفاقيات متسلسلة خاصة عهد الإيالات العثمانية بحلول القرن السابع عشر، كانت دائما محل إعادة مراجعة.
مشاعر الحب والاحترام المتبادل كانت بالقوة والعنفوان الذي يتجاوز ما هو سياسي.
نظام بورقية ما بعد الكولونيالي، ورغم قيامه على أنقاض صراع مع التيار العروبي «اليوسفي» بالتحديد حول سؤال «هل تستقل تونس من دون استقلال الجزائر؟»، وبالرغم من علاقاته الصعبة والمتوترة مع بعض قادة الثورة الجزائرية، فقد اختار استراتيجية دعم «الثورة الجزائرية» بكل الوسائل، بما في ذلك تهريب السلاح وحماية المقاومين المحتمين بالقدوم إلى تونس، هذا الخيار المبدئي الذي عهد الزعيم التونسي الراحل بتفاصيل تنفيذه إلى القيادي النقابي التاريخي أحمد التليلي، أصيل منطقة قفصة المحاذية للجزائر، كان من بين الأسباب الأساسية (بالإضافة إلى الذرائعية البورقيبية) في العلاقة شديدة التوتر بين بورقيبة وشارل ديغول، إلى الحد الذي دخلت فيه العلاقة بين تونس وفرنسا سنوات من المشادات وحتى سيل الدماء (غارة «ساقية سيدي يوسف»، وحتى أجواء «معركة بنزرت» ذاتها).
في المقابل، خيمت في بعض الأحيان أجواء من الخشية والتبرم بين الطرفين، خاصة منذ ترسيم حدود مقننة في المرحلة العثمانية، وتشكل جهازين سياسيين سيكونان أساس الدولتين القطريتين اللتين ستقومان على أنقاض الاحتلال الفرنسي، إذ لم يكن أي «داي» أو «باي» يخسر صراع السلطة في «تونس المحروسة» إلا ويطلب الدعم من دايات الجزائر الأقوياء عسكرا ومالا، وهكذا كان الكثير من التاريخ السياسي لهذين الجهازين السياسيين المتمركزين بين تونس والجزائر هو تاريخ تدخل الطرف الجزائري لتعديل كفة الصراع السياسي في تونس، لكن كلما قدم جيش الدايات الجزائريين جلب معه عبر المنطقة الشمالية الغربية حتى أطراف مدينة تونس الكثير من الفوضى.
مشاعر الريبة والتبرم تبرز أيضا في مراحل الأزمات السياسية مثلما حدث في ثمانينيات القرن الماضي، عندما بدأت هذه المشاعر لدى الجزائر الرسمية زمن صعود التيار الإسلامي التونسي، وانتقلت إلى تونس الرسمية عند صعود التيار الإسلامي الجزائري.
وعموما فإن الجزائر هي «مصر المغرب»، وهي قطر محوري بين دول المغرب إلى الحد الذي مهما كانت فيه المشاعر السياسية مفارقة فإن الوضع في الجزائر يمكن أن يحسم الميزات العامة للوضع في منطقة المغرب ككل. وبمعزل عن كل الخلافات التي تميز علاقة النظام الجزائري ببقية الأنظمة المغاربية، تبدو الاتجاهات التي تميز الجزائر هي الاتجاهات العامة للمنطقة، ولو ربما في أشكالها الأكثر حدة، وهكذا كان للانفتاح السياسي الذي ميز الجزائر في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، وللتجربة الديمقراطية غير المسبوقة خلاله، أثر عام في الدفع بأجواء متقاربة وليس بالضرورة مماثلة في المنطقة المغاربية، مثلما كان لمرحلة الصراع العنيف بين السلطة الجزائرية والتيارات المنفلتة من عقال «جبهة الإنقاذ الإسلامي» الجزائرية إثر إنهاء التجربة الديمقراطية، أثر حاسم في الدخول في مرحلة حسم أمني شامل بين بقية الأنظمة المغاربية وتياراتها الإسلامية أو بعض أهم تياراتها الإسلامية في أقل الأحوال.
الانتخابات الجزائرية الرئاسية القادمة ضمن هذا السياق لا تحمل تجديدا، لكنها تحمل على الأرجح ملامح تراجع آخر في توجه الجزائر نحو نظام سياسي تعددي، بما يعني مزيدا من تعميق أزمة النظام التعددي في المنطقة ككل، وهنا لا يمكن الحديث عن تركيبة الوضع الجزائري بأي صيغ تعميمية، فهو وضع معقد بكل تأكيد، إذ لا نجد الصيغ غير الإدماجية وذات اللون الواحد، فبعد كل شيء توجد تعددية حزبية حقيقية في الجزائر بوجود أحزاب فاعلة ومعبرة عن قطاعات واسعة في الشارع وممثلة لخلفيات فكرية وسياسية متعارضة أحيانا، بما في ذلك في المشهد البرلماني، منها «الوطنية الإسلامية» و «الإسلامية» و «الوطنية القومية العربية» و «الوطنية القبائلية» و «القبائلية الانفصالية» و «الوطنية اليسارية» و «اليسارية الفرانكفونية»، هذا في إطار استمرار إقصاء رموز الطرف الإسلامي الرئيسي المرهق من سنوات الحرب الأهلية وغياب منطقة القبائل عن التمثيل السياسي في السلطة.
وعموما، تبدو إحدى إشكاليات الوضع في الجزائر محدودية معالجة ملف «المصالحة الوطنية» من زاوية سياسية، بما يؤثر على التوجه العام للوضع في اتجاه يستبعد تدريجيا المشاركة السياسية، إذ إن توافقا وطنيا حقيقيا يستوعب أسباب الأزمة يذوب تدريجيا خلف شعار «التوافق الوطني».
وفي هذا السياق يفصل الكاتبان والأكاديميان الجزائريان أحمد أغروت ويحيى زبير، في مقال حول الانتخابات الراهنة في المجلة الأميركية «Middle East Report»، الملامح العامة التي تشير إلى أننا بصدد تركز السلطة شكليا وعمليا إلى حد ما في مؤسسة الرئاسة، وبالتحديد في شخص الرئيس بوتفليقة، بشكل يجعلها بنفس تركيبة الكثير من الأنظمة المجاورة في شمال إفريقيا، فلسفة التعديل الدستوري الأخير، والذي يستعيض عن مبدأ التداول على الرئاسة بمبدأ سمو «الرغبة الشعبية»، بما في ذلك «الرغبة» في التجديد غير المحدود عمليا للرئيس بوتفليقة، والطريقة المرتجلة التي تم بها حدث دستوري بهذه الأهمية، تشير إلى سلبية عامة تجاه هذه الانتخابات، التعديل الذي تم فيما يبدو في بداية الأمر على الضد من رغبة بعض القيادات العسكرية المؤثرة (مثلما فهم من رفض رئيس الوزراء الأسبق أويحيى «المقرب منها» للتعديل) أدى إلى بروز «التحالف الرئاسي» الحزبي (الوطني الإسلامي) بوصفه القوة الوحيدة الدافعة نحو التعديل. وحسب أغروت وزبير، فإن التوافق اللاحق مع المؤسسة العسكرية هو الذي «أعطى الضوء الأخضر» لتحقق التعديل وفقا لتفاهمات غير معروفة، ربما تضع «خطوطا حمراء» أمام صلاحيات الرئيس.
وهكذا، ووفقا لهذا الطرح، فإننا بصدد الدفع أكثر نحو إعادة إنتاج تركيبة ما قبل الانفتاح السياسي لأواخر الثمانينيات، حيث وجود المؤسسة العسكرية المتواري يحدد بشكل مستمر هوية مؤسسة الرئاسة، وطبيعة أدائها ضمن سياقات غير مؤسساتية وغامضة، ومن ثم نحن إزاء مفارقة التضاد بين واقع التعدد الحزبي الحقيقي مقابل تعطل إمكانية التداول على السلطة بسبب الرجوع إلى التركيبة التي ترعرع فيها الرئيس بوتفليقة، أي ما قبل العام 1988، ولو أن الأخير لا يملك وسائل وكاريزما الرئيس الراحل بومدين مثلما يسعى دائما لأسباب شخصية وتاريخية بل يقترب من خصائص الرئيس بن جديد الأقل تميزا وتفردا.
لكن الأهم أن هذا الاتجاه الجزائري يعني أن ملامح منطقة المغرب لا تتجه في ملف التركيبة السياسية للأنظمة القائمة نحو مرحلة أكثر إدماجية وتعددا. فاتباع الجزائر للتركيبة السياسية لجيرانها يعني أنها لن تكون في المستقبل القريب نموذجا للتجديد السياسي في المنطقة، كما أنه لن يحل الأسباب العميقة لأزمتي السياسة والعنف في الجزائر، ومن ثم إحلال توافق وطني جدي فيها، ومثل هذا الأفق يجب أن يستدعي مشاعر الخشية والتبرم من قبل بقية مواطني دول المغرب.
أستاذ «تاريخ الشرق الأوسط» بجامعة روتغرز