المخرجة علا طبري: إسرائيل أدخلت «يوم الأرض» إلى المناهج الدراسية
2009-05-04
الدوحة - عبير جابر
استطاعت المخرجة الفلسطينية علا طبري من خلال فيلمها «جنغا 48» أن تتطرق لموضوع يوم الأرض، عبر ربطه بفلسطيني 48 وأزمة الهوية التي يعانون منها دخل الأراضي «دولة إسرائيل»، من خلال العودة للمناهج الدراسية المعتمدة حديثاً في المدارس العربية الخاضعة لوزارة التربية الإسرائيلية، والتي أدخل فيها «يوم الأرض» بشكل مثير للريبة مما دفع المخرجة طبري للبحث في الأمر على طريقتها، وهذا ما لفت الأنظار إليها، خلال العرض الأول لفيلمها في مهرجان الجزيرة للأفلام التسجيلية في دورته الخامسة التي عقدت في الدوحة مؤخراً.
«العرب» التقت طبري التي أشارت إلى أن فكرة الفيلم انطلقت عندما طلبت مني قناة الجزيرة للأطفال فيلماً للمشاركة به في مهرجان الأفلام التسجيلية كونهم اطلعوا على فيلمي الأول «خلقنا وعلقنا» (عام 2002) وهو أيضا فيلم تسجيلي يغوص في الهوية وفلسطينيي 48.
ومع أنها تعمل باستمرار على أفكار تتعلق بالهوية وفلسطينيي 48، فإن الأمر تطلب وقتاً للتفكير «أنا لست من غزة لآتي بمواضيع غزة، أنا فلسطينية من الناصرة من الجليل في دولة إسرائيل أحمل الهوية أو الورقة الإسرائيلية، وأحمل الهوية والانتماء والذاكرة والتاريخ الفلسطيني، وصراع البقاء الذي يعيشه الفلسطينيون في الداخل هو واحد من أهم الأشياء التي تشغلني على مستوى العمل الوثائقي»، لذا لم تجد المخرجة صعوبة في إيجاد الفكرة لفيلمها الجديد، «لأن هذا هو مكاني وبدأت ببحث صغير وتطورت الأفكار من بعض الوثائق الإسرائيلية التي وجدتها وتتعلق بالتعليم العربي، وتم إنجازها مؤخراً في العام 2006- 2007».
استغربت المخرجة ما وجدته في وثائق وزارة التعليم الإسرائيلي من إدخال يوم الأرض لمناهج المدارس العربية، وهي تقول «نحن نعرف أن هذا من عادة السلطة إذا كانت تريد إفراغ شيء مهم من معناه»، وتوضح أنه «عندما تأتي وزارة الثقافة بمبادرة لتعلم الأطفال الفلسطينيين في المدارس ما هو يوم الأرض سنتساءل عن السبب، فأنا شخصيا وأبناء جيلي لم ندرس يوم الأرض في المدرسة، لكن أنا أعرفه ومثلنا أجيال كاملة، بل على العكس نحن منعنا من أن نحيي هذه الذكرى، ومن هنا بدأت أبحث في هذا الإطار».
وبما أن موضوع يوم الأرض يعنيها فكرت طبري أنه «من الممكن أن يكون باباً جميلاً للحديث عن فلسطينيي 48، لأن يوم الأرض هو يوم مفتاح بذاكرة ووجود الفلسطينيين في داخل إسرائيل، وكان كأنه انتفاضة أولى عام 1976، فكان مهماً، بالنسبة لي أن تعرف أصوله بالشكل الصحيح».
إسرائيل و«الكابويرا»
استعانت طبري لتنفيذ الفيلم بابنتي شقيقتها عدن وورد ضاهر اللتين فرحتا بالفكرة، فقد سبق لهما المشاركة بفيلمها الأول «خلقنا وعلقنا»، وتوضح المخرجة أنها كانت تبني معهما الفكرة «كانتا الصحافيتين اللتين تعدان التحقيق حول يوم الأرض، ولكن كانتا أيضاً الشخصيات التي ألاحقها في الفيلم، وكانت الكاميرا تنظر إلي وأنا أنظر للفتاتين، وأحياناً كنا نلعب على هذه المستويات فمرات كانت الكاميرا من وجهة نظر عدن وورد أو كلاهما أو من وجهة نظري أنا».
صورت المخرجة حياة الفتاتين اليومية كشخصيتين من عرب 48، خاصة أنهما تتابعان تعلم الفن القتالي الإفريقي البرازيلي «الكابويرا» الذي استعمله الأفارقة لكي يتحرروا، تحت غطاء كونه رقصاً وطقوساً إفريقية وبنفس الوقت يطور قدراتهم، ولأن الفتاتين عضوان في أول فرقة «كابويرا» عند فلسطيني الداخل، تقول طبري إن العمل جاء «ليربط بين الوضع الذي نتحدث عنه وبين مقاومة البنات الثقافية لإثبات هويتهم وإخراج الحقيقة عن يوم الأرض الذي تحاول الوزارة الإسرائيلية تشويهه وابتلاعه وأسرلته»، ولكن ما هي «الجنغا»؟ تجيب طبري هي «حركة الأساس في «الكابويرا» التي تجمع الهجوم والدفاع بنفس اللحظة، فلأن الكابويرا ليست فن قتال عنيف، ولا تهاجم بل تدافع عن نفسها، بحيث إنها تأخذ العنف وتفرغه من معناه وتحوله لدفاع، فالمقاومة ليست عنفا بل دفاعا عن النفس»، وتضيف «إسرائيل هي ثاني دولة في العالم بعد البرازيل التي تحترف الكابويرا وتتقنه وتروجه، أو عمليا هي أول دولة بعد البرازيل، والسؤال لماذا الدولة البيضاء المحتلة المغتصبة تهتم بفن المستعبدين والفقراء؟ ولكي نعرف السبب يجب أن نفكر جيداً». وعن تعاون الفتاتين معها كمخرجة قالت طبري «كانتا فخورتين لأنهما تشتركان في الفيلم، لأن الموضوع الوطني مهم جدا ومركزي بالنسبة لهما لأنهما تربتا على هذا النحو. وكانتا مسرورتين، لأنهما تعملان مع خالتهما، لأنهما تحبان عملي. لكن أنا كنت أطلب منهم الكثير، أن تتركا أصحابهما والتسلية بسبب العمل وأخذت من وقتهما الكثير»، موضحة أن «الأمر بدأ بسلاسة لكن بعد فترة لم يعد سهلا أن تعيشا وحولهما الكاميرات كل الوقت. كنا نضحك كثيرا ونبكي ونتشاجر، وكانتا تتعبان لكنهما عملتا بشكل مهني».
استغرق تصوير «جينغا 48» قرابة أربعة أسابيع، وكانت الفتاتان حاضرتين في أغلب الأوقات رغم التعب، وتقول طبري «عندما نقول الكاميرا تعمل كانتا تضعان نفسيهما في جو العمل، وكان هناك تحد بسبب علاقتنا والحب الموجود بيننا، كما أنني وضعتهما في موقع المسؤولية ومع أني كنت إلى جانبهما طوال الوقت، لكنهما تبنتا المسؤولية بسرعة كبيرة لكن مرات كانتا تتعبان وتملان وتشتاقان لأصحابهما وللمدرسة، لكن بالعموم خضنا تجربة غنية جداً».
واقع الفلسطينيين المشردم
تعتبر طبري أن الفيلم يوصل لجيل عدن وورد «مجموعة رسائل، فإلى الجانب التاريخي الفيلم يعطي معلومات حقيقية عن ماهية يوم الأرض، والأحداث التي جرت، وشهادات من أشخاص عاشوا هذا اليوم، كما أننا نعرض تداعيات يوم الأرض على وجودنا اليوم، وكيف أصبح يوم الأرض حالياً»، وتضيف «نحن نتكلم عن واقع معين يخص الفلسطينيين الذين يعيشون في دولة إسرائيل، الذين هجروا عام 1948 داخليا وليس خارج نطاق فلسطين، وصار عليهم حكم إسرائيلي، وهؤلاء اللاجئون الداخلون لديهم حيثيات، والمجتمع الفلسطيني في داخل إسرائيل يختلف عن المجتمع الفلسطيني في الجليل والنقب، وأكيد يختلف عن غزة ورام الله والقدس»، موضحة «أصبحنا اليوم مجتمعات فلسطينية، وهناك شرذمة لكن المهم لي التعريف بهذا الواقع، وليس ذلك بعرض الحال فقط بل الخوض في الأسباب وأشكال الترددات حول حياة الفلسطينيين في الداخل».
تشير طبري إلى أنها لم تواجه الكثير من الصعوبات، خلال تصوير فيلمها «لأني لم أصور كثيراً في أماكن تتطلب تصريحا، أنا صورت في أماكن فلسطينية داخل إسرائيل وكان تعاملي مع الناس»، مضيفة «نحن عادة نتعامل في الداخل على أن هذه بلدنا فأنا لست بحاجة لتصريح من أي شخص لأدخل بلدي وأصور فيه، وعندما يكون لديك الإحساس بالحق أن هذا بلدك تطلبي الإذن من أحد، لكن مع ذلك كان هناك صعوبة فقط «في أخذ تصريح للدخول للمدارس لأنها تحت سلطة وزارة المعارف الإسرائيلية» تقول طبري التي وجدت الحل في الفيلم «أظهرنا كيف منعنا من الدخول ولماذا منعنا، صحيح أن المدرسة مهمة لأنها جزء مما نعيشه، لكنها ليست كل شيء، مثلا أنا تعلمت أني إسرائيلية، وأعدائي الفلسطينيون والمصريون والتونسيون وأنهم يهددون أمن الدولة، لكن ذلك لم يؤثر لأن هناك أمورا ثانية في الحياة علمتني أكثر من المدرسة».
لا خطوط حمراء مع «الجزيرة للأطفال»
تعبر المخرجة الفلسطينية عن تقييمها «لوجود قناة الجزيرة للأطفال بقيمة عالية جداً، فموضوع التربية أمر مهم جداً، إذ إن وجود قنوات عربية مختصة بمجالات معينة وعمليا متخصصة بترويج قيم مختلفة يساعد كثيراً، لأن ذلك يحدث التواصل ليس على المستوى التقني والسينمائي بل على مستوى القيم، وإذا أنا أنجزت فيلماً أحتاج لجهة أخرى تربي جمهوراً يعرف كيف يشاهد، ففيلمي لا يعيش إذا لم يكن لديه مشاهد، وقد يكون هذا الجيل بحاجة ليشاهد فيلمي لكي يعيش».
وتشير طبري إلى أنها وجدت في التعامل مع الجزيرة للأطفال «جرأة وانفتاحاً بالتعامل مع الموضوع، إضافة إلى حرية تعبير، فلم أجد خطوطاً حمراء، وفي فيلمي الأول، انتقدني الكثيرون وقالوا لماذا تجعلين شخصا من الناصرة يقول أنا إسرائيلي فهذا عيب، وكنت أرد بالقول لا، لأني إذا أنا لم أكن قادرة على مواجهة الأمور لا أستطيع أن أظهرها فنحن لدينا أزمة هوية وهي ليست آتية من الفراغ بل من سياسة التجهيل والاحتلال والقمع والواقع الموجود ليس لدي ما أخجل به»، وفي فيلمها «جنغا 48» لم يتعرض أي مشهد للقطع «فهناك من يقول أنا مسيحي إسرائيلي وسيدة أخرى تقول ما بنا نحن نعيش جيداً هنا فهل الدول العربية تعيش أفضل منا؟» وترى طبري أن «ما انتقدت لسببه أنا أعتبره إطراءً لي، والجزيرة للأطفال احتوته وقدمته كجزء من هذه الصورة، ولم يكن هناك أي رقابة عليه وعمليا على مستوى المضامين أنا لم يكن لدي رقابة».