مريم البسام: طموحي العودة للعمل الميداني.. والإعلاميات يسعين للشهرة
2009-06-09
الدوحة - عبير جابر
استطاعت قناة الجديد اللبنانية «نيو تي في» أن تثبت وجودها على الساحة الإعلامية المحلية والعالمية بفضل سعيها الدائم لكشف المستور والبحث في قضايا الفساد والإفساد في إدارات الدولة، دون خوف أو تردد، وذلك انطلاقا من إيمان راسخ لدى فريق العمل فيها بأن دور الإعلامي هو تنوير المواطن وإظهار الحقيقة على مرارتها أمامه، وهذا ما تؤكد عليه مديرة الأخبار في القناة مريم البسام التي تعد من الإعلاميات القليلات اللواتي تبوأن منصباً مماثلاً في القنوات التلفزيونية اللبنانية وحتى العربية، ومع ذلك أثبتت خلال سنوات عملها أنها أهل لهذا المنصب.
«العرب» التقت البسام خلال زيارة لها إلى الدوحة، وكان حديث عن خفايا عملها وما تتعرض له مع طاقم الأخبار من مشكلات في سبيل إظهار الصورة الحقيقية للمشاهد، إضافة إلى تطرقها لجديد أخبار «الجديد» وما يحضره للمشاهدين.
بداية، تؤكد البسام أنها لم تخطط لتكون «مديرة أخبار، فكل شيء حصل صدفة، وحالياً لا أخطط لشيء في المستقبل»، فلطالما كانت طموحاتها متواضعة «قناعتي أني حتى ولو كنت صحافية عادية وغير مسؤولة عن أي قسم أستطيع أن أؤدي عملي وترك بصمة حتى ولو في كتابة خبر ضمن النشرة»، ومنطلق ذلك إيمانها منذ بدأت بالعمل الصحافي «أن المرء يستطيع أن يصنع شيئاً من لا شيء»، لكن الغريب في طموح البسام أن يكون العودة إلى الوراء «طموحي أن أعود إلى الوراء.. أن أعود صحافية ميدانية، لا أن أكون مديرة داخل المكتب وأشرف على الأمور وأعطي الأوامر».
وفي ظل نجاحها في عملها، يثور السؤال: إلى أي مدى استطاعت البسام أن توفق بين بيتها وعملها وتحقق التوازن المطلوب؟ وهي تشرح أن «في الأمر صعوبة كبيرة جداً لكوني امرأة متزوجة ولدي أطفال، وهناك دائماً طرف مظلوم إما بيتي وأطفالي وإما عملي، وبالتالي أحاول تقسيم الظلم على الاثنين, لكن المظلوم الأكبر هو الشخص بحد ذاته لأنه يوزع وقته فلا يتبقى له الوقت ليرتاح».
ومع هذه الصعوبة التي تعاني منها تصر البسام على أن «على المرأة أن تتشجع وتكون في مناصب كهذه، خاصة إذا كان لديها الرغبة والاستعداد والكفاءة، والأهم أنه يجب أن تناضل لتصل إلى ما تريد، فهذا الموقع ليس حكراً على رجل ولا على امرأة»، ولفتت البسام إلى أنه «في لبنان قليلات من شغلن منصب مديرة أخبار وقناة الجديد كانت السباقة عندما كانت الزميلة ندى عبدالصمد مديرة للأخبار، وكانت جديرة بمنصبها»، أما سبب ندرة وصول النساء إلى هذا المنصب فتشرحه بالقول: «هناك عدة عوامل منها ثقة الشركة أو الإدارة بالمرأة العاملة، فقد يفضل أن تذهب هذه الوظيفة لرجل يتحمل المسؤولية أكثر من امرأة قد لا تقدر على السفر أو التواجد في العمل 24 ساعة إذا تطلب منها الأمر ذلك»، ومن الأسباب أيضاً «عدم إقدام المرأة نفسها على خوض غمار هذه التجربة، فهي للأسف تبحث أحياناً عن الشهرة على الشاشة فتحارب لأنها تريد برنامجا سياسيا، أو لأن تكون مذيعة أو لظهورها بشكل لائق، كصورة وممكن كمضمون فهذا أمر تناضل من أجله لكن الآخر عمل سيتعبها كثيراً ولن يدر عليها الشهرة التي تطلبها لذا لا نجدهن يتحمسن له».
ولكن كيف يتعاطى المحرر أو المذيع الرجل مع مديرة أنثى؟
تجيب البسام: «التعاطي جميل جدا وأخوي، حتى إني أحس كأني في بيتي، ربما لأني لا أعاملهم كمديرتهم بل كإخواني، فأنا الزميلة التي تعمل معهم أحيانا مراسلة وأكون معهم في السراء والضراء، وأعيش مشكلاتهم ويعيشون معي مشكلاتي وأنا منهم ولم آت من خارج المؤسسة».
وللكلمة فعلها
لكن هل المعقول أن طموحها العودة إلى الوراء؟
سؤال ملح يترافق مع الاستفسار عن مدى شعور البسام بضرورة تحسين مجال عملها فتقول: «في العمل هناك كل يوم شيء جديد وأشعر أني أحسّن ليس فقط في عملي بل بالقضايا الإنسانية في مجتمعي، وما يسعدني هو قدرتي كصحافية أولاً وكمسؤولة عن هذا القسم على تحسين مجتمعي من خلال الكلمة وإعطاء المعلومة الصحيحة على الأقل، فأنا أقول مثلاً إن هذه المشاريع التي تنجز هنا فيها خطورة ما، وإلى هذا الحد هناك فساد من النواحي الصحية والاجتماعية والقضائية»، وتعتبر البسام أن سعادتها تكمن في مدى قدرتها على معالجة هذه الأمور في مجتمعي وتغيير بعض القوانين والنظم الموجودة فيه أحياناً، «فكلمتي تفعل فعلها، وهذا هو طموحي الحقيقي أن أسهم في بناء مجتمع ووطن سليم وخصوصاً في لبنان بلد الطوائف والتنوع السلبي وهو البلد الواقف على حافة الحرب الأهلية دائماً والمنهك اجتماعيا واقتصاديا»، وتضيف: «إذا ساعدت مريضاً ليدخل إلى المستشفى من خلال عملي -وهذا يحصل كثيراً- أكون سعيدة، فأضع رأسي على الوسادة وأنام مرتاحة لأني عملت شيئاً في يومي هذا، واستطعت ترك بصمة إيجابية».
الملاحقة القضائية
يسهم تسليط قناة الجديد الضوء على الفساد في وضعها أمام الكثير من الدعاوى القضائية، وعن سبب كثرة القضايا المرفوعة ضد القناة تقول البسام: «لأننا قررنا العمل بجرأة في بلد كل ملفاته وقضاياه سرية، وهناك في وطننا سيطرة سياسية على الجسم القضائي، وهذا أمر نسعى لإزالته ونطمح ليكون لدينا سلطة قضائية مستقلة عن السلطة السياسية وأن نطبق القانون بفصل السلطات، وهنا نحن لا نأتي بجديد»، وتضيف: «لقد قررنا أن نكون «جديد» بمعنى «جددا» في الطرح والمقاربة والمعالجة وكشف القضايا التي من الصعب على الآخرين تحمل تبعيتها، فالإعلام اللبناني موزع حصصا على الأحزاب، وعندما يقرر المرء أن هذا طريقه سيسير في الخطر وسيتوقع أن يفتح عليه وكر من الدبابير السياسية والقضائية وللأسف أن القضاء لا يتحرك وحده»، وتوضح: «المشكلة التي حصلت مثلا مع وزير العدل لم يكن ممكناً المهادنة فيها، فلقد قام بقرابة 12 عقداً مخالفاً للقانون، وهذا شخص بتوصيفي السياسي فاسد ومنحرف سياسيا واجتماعيا، وأنا أحاسبه كسلطة رابعة، فإذا وقعت أمامي قضايا لها علاقة بمخالفته القانون، فعلى الأقل علي أن أسأله بموجب القانون: من أين لك الحق بهذا؟ ونحن قلنا له إن العقود التي أبرمتها مخالفة للقانون ولا يمكن أن تكون وزيراً وفي الوقت نفسه مقاولاً تبرم العقود مع الوزارات وهي عقود بالتراضي ومخالفة للقانون»، وتضيف: «بسرعة فائقة تحرك القانون ضدنا، وتم اقتيادي إثر ولادتي إلى الاستجواب بعد أن كانوا قد دخلوا علي أثناء عملية الولادة». رغم مرارة الموقف وصعوبة المشهد الذي نقلته وسائل الإعلام لمديرة الأخبار، والذي بات مطبوعاً في الذاكرة لأم وطفلتها تنقلهما سيارة إسعاف إلى قصر العدل، تؤكد البسام أن هذا الأمر لا يردعها «أبداً بالعكس، فلقد تأكدت أني أقوم بما هو صحيح، لأني بررت هذه السرعة في لملمة الموضوع بأنهم شعروا أن سمعتهم باتت سيئة لدى الناس».
وتشير البسام إلى أن القناة، وفي إطار توزيع الاختصاصات «حصرت مواضيع الفساد ببرنامج الزميلة غادة عيد «الفساد»، بما فيها قضايا استشراء الفساد في الإدارات العامة في لبنان وأحياناً خارجه»، مضيفة: «إذا كان لدى أحد الزملاء فكرة أو اكتشف فضيحة ما وعنده وثائق ودلائل يمكنه العمل عليها أو يحيلها لغادة أو حتى إليّ لكوني أتحمل تبعات الخبر كمديرة مسؤولة»، لكنها لا تنفي أنه «غالبا الحماس يكون موجودا لدى الجميع للعمل على هذه القضايا».
وعما إذا كان أعضاء فريق الأخبار يفضلون تجنب صداع المحاكم والقضايا، قالت: «كل من عمل في هذه القناة لديه الجرأة وفي جيناته نوع من التمرد، إما يكتسبها معنا أو تكون لديه، وإلا فلا يكمل معنا.. بل يرحل»، وتضيف: «وهناك من رحل فعلاً، لكن من يبقى ويستمر يظل على أهبة الاستعداد لمواجهة أية مشكلة، ولديه روح التحدي».
افتتاحية الأخبار
اشتهرت قناة الجديد بافتتاحية نشرتها الإخبارية المسائية التي أثارت الكثير من التساؤلات حول مدى موضوعيتها وتعبيرها عن سياسة القناة، وفي هذا الإطار تقول مديرة الأخبار إن «العمل على افتتاحية النشرة بموضوعية ستكون مقدمة إخبارية للنشرة دون موقف محدد، لكن بمجرد أننا أخذنا موقفاً ما لم نعد موضوعيين ولا حياديين»، وتوضح أن: «نحن نتبع الحيادية في تسلسل الأخبار وفي عرض الخبر، فنحن لا نسمح بأن تغيب أية جهة عن الخبر فكلها ممثلة، وبالتالي لا نُعرف من نحن في الخبر وهذا المطلوب»، لكن طبعاً «هناك بصمة خاصة ولمعة صحافية معينة يتميز بها كل محرر وكاتب خبر».
وتلفت البسام إلى أننا «نعطي هامشاً من الحرية لأنفسنا في افتتاحية النشرة، خاصة في كيفية صياغة الأحداث ليس وفقا لما نراه نحن مناسباً، ولكن لما هو واقع على الأرض والآخرون لا يجرؤون على توصيف هذا الواقع»، وتعطي الأمثلة على ذلك «يجب أن نعرض حاليا الوضع العالمي الراهن والدول العربي، ولأننا قناة فضائية فلا يجب أن نوجه المشاهد العربي إلى أحداث لا يعرفها، مثلا فهو لن يميز في الانتخابات النيابية اللبنانية بين دائرتي بيروت الثانية والثالثة، ونحن –اللبنانيين- بالكاد نميز بينهما، لذا فلا نقدر في كل يوم أن نحكم المشاهد العربي بالحدث المحلي، كما لا يمكننا تجاهل المشاهد اللبناني واعتبار أنه لا يفهم ما يجري في أميركا أو المنطقة العربية أو إيران أو الانهيار المالي الاقتصادي، فهي أمور تنعكس عليه كمواطن لبناني، وبالتالي يكون هناك في الافتتاحية خلطة عربية دولية لبنانية دون كلام مستهلك، حيث أحاول البحث عن مفردات جديدة وأستخدم أسلوب الاستعارة، ففي أي موضوع يجب تجميل النص واللجوء للسخرية أحياناً ليتقبله المشاهد».
«خاص» الجديد
تتميز نشرة أخبار قناة «الجديد» بفقرة «خاص» الجديد التي يعدها أحد أعضاء فريق الأخبار، وعن هذه الفقرة تقول البسام: «إنها تكلف المؤسسة الكثير، فالمراسل الذي سيعمل على تقرير خاص يتفرغ له ويكون ذهنه حاضراً ولا يتعرض للإزعاج لفترة معينة تصل إلى الأسبوع لينجز عمله ويقوم بالمقابلات اللازمة، خاصة إذا كان هناك مواعيد سياسية، حيث إن السياسيين لا يصدقون في مواعيدهم».
لكن هل تراعي المؤسسة هذا الأمر؟
تجيب البسام: «نحن نترك المراسل ليقوم بعمله فيبدع، ويمكنني أن لا أراعي فأجد نتيجة سلبية، ويمكن أن أتعامل معه بقسوة وأعطيه فترة قصيرة ومحددة لينجز عمله كيفما اتفق، لكن نحن نعتمد أسلوبا خاصاً في عمل «الخاص»، حيث لا يوجد شيء بالأمر، ومن يحب من المراسلين عمل «خاص» يعمله، وإذا كان لا يرغب فهو ليس مجبراً، فحاله كحال الكاتب والمغني: يمر بفترة إبداعية ليعطي شيئاً مميزاً، وفي هذا الوقت نحن نجعل أكثر من شخص يعملون على الخاص لأنه فقرة شبه يومية لدينا».
وحول الجوائز التي نالتها القناة عن تقاريرها الخاصة من «طومسون فونديشن» قالت البسام: «كانت هذه جائزة تقدير كبيرة جدا لنا كمؤسسة لبنانية استطاعت أن تخطف المراتب الثلاث الأولى من بين مشاركين من سوريا ومصر والأردن وفلسطين ولبنان، فإذا قيمتنا هذه المؤسسة العريقة في المجال الإعلامي إلى هذا الحد عاليا ورأت أننا من بين المشاركين نستحق هذه الجوائز فهذا تقدير عظيم لنا وثمار تعبنا سنين»، وأشارت أن هذه الجوائز شجعت «الآخرين لينجزوا الخاص الأجمل ليشاركوا به مستقبلاً في المسابقات».
* جديد أخبار «الجديد»
تتنافس القنوات اللبنانية التلفزيونية في تقديم نشرات الأخبار، وهذا يصل إلى حد المنافسة على أبسط الأمور، ولعل ما توضحه البسام من وجود «تنافس في توقيت عرض النشرات» خير دليل على المنافسة النشطة، وهذا ما جعل إدارة الأخبار في تلفزيون «الجديد» تبحث عن التميز في ما تقدمه وتكشف البسام لجريدة «العرب» عن مشروع بدأت دراسته «واستعنا بمخرجين من الخارج، وصار لدينا مجموعة أفكار سنبدأ بها قريباً، وأبرزها كيفية جذب المشاهد لمتابعة النشرة قبل موعدها»، وفي التفاصيل التي تكشفها مديرة الأخبار أنه «قبل موعد النشرة المسائية بخمس دقائق سنعمل المايكنغ أوف للنشرة، فالناس تحب أن تعرف ما الذي يدور في الكواليس، ونحن جهزنا كل الطوابق في المؤسسة بكاميرات ستلتقط مشاهد عفوية لموظفي الأخبار، وسيختار المخرج أبرز اللقطات، مثلاً للمذيعة قبل الماكياج، والمذيع وما الذي يرتديه وحركة التعامل في فريق الأخبار، والهرج والمرج وحركة الخفقان التي تدور هذه كلها سيتم تصويرها دون كلام، وستعرض في تقرير خاص قبل النشرة».
وأشارت البسام إلى وجود مجموعة من الأفكار الجديدة التي لم تتبلور بعد لجعل «ختام النشرة يشد المشاهد ليبقى معنا حتى آخر لحظة».