2009-06-16
لم يكن بوسع جورج بوش أن يفعل ذلك.. وأن يلقي خطابا ويتنقل بيسر بين موضوعات مثيرة للجدل، ويتحول بثقة من نقد للذات إلى مطالبة بالشيء نفسه من المستمعين إليه، ويحظى بما لا يقل عن ثلاثين مقاطعة بالتصفيق له من جمهور غالبيته من المسلمين في القاهرة بمصر. نعم ما كان بوسع بوش أن يفعل ذلك خلال مليون سنة.
ويا لها من مفارقة أن يكون اسم والد أوباما «حسين»، والذي حاول الجناح اليميني الأميركي استغلاله بسوء نية لإظهار أوباما بمظهر «المسلم السري»، مصدرا يعطي أوباما ما لم يحظَ به بوش أبداً: ثقة المسلمين، حتى وإن كان ذلك لفترة 50 دقيقة التي استغرقها الخطاب. ولكنه ذلك الاسم بالذات الذي يؤجج الصراع بين قلبي -المنبهر بفصاحة وذكاء أوباما- وعقلي، الذي يعطي أوباما منزلة أعلى. فأنا مدركة أنه أفضل فهماً. وأعرف أني واجهت محنة أوباما في عام 2004 خلال المؤتمر الديمقراطي القومي عندما قال: «إذا حدث أن تعرضت أسرة أميركية عربية للاعتقال دون توفير محامٍ لها وإجراءات قضائية سليمة فإن ذلك يعد أيضاً تهديداً لحقوقي المدنية»؟
المسلمون ليسوا جميعا عربا والعكس صحيح. ولكن عندما قال أوباما تلك الكلمات فإن ذلك جعل عينيّ تغرورقان بالدموع شأني شأن العديد من الآخرين، ولكني صحافية، وعندما يجعلك أحدهم تبكي فإن ذلك يثير القلق. وأدركت منذ تلك اللحظة أن أوباما سيسبب صراعاً شديد القسوة بين قلبي وعقلي، ولهذا بدأت أبحث عن أي زلة له وهو يلقي خطابه في القاهرة في الرابع من يونيو.
بصفتي مسلمة أميركية فقد اتحد قلبي وعقلي فرحاً حين أكد أوباما على دور المسلمين الأميركيين، وتحدث عن كيث ايليسون باعتباره أول عضو مسلم في الكونغرس، وبذلك تم جسر الهوة بين المسلمين والأميركيين المتمثلة بهوة: «نحن وهم» التي أسهمت العديد من سياسات وخطابات إدارة بوش على توسيعها وتعزيزها.
إن إقرار أوباما بمعاناة الفلسطينيين بهر قلبي لكن عقلي أراد أن يسمع أيضا منه قلقا بشأن خسائر ومعاناة المدنيين في باكستان وأفغانستان، فالتركيز على معاناة الفلسطينيين فقط ينصب في مجرى الانغماس في القضية الفلسطينية التي تسيطر على العديد من الحوارات بين المسلمين أنفسهم وبين المسلمين وأميركا.
إن اشمئزاز أوباما من التعذيب طمأن قلبي لكن عقلي تساءل في الحال: لماذا لم يعلن إدانته للتعذيب في بلدي الحبيب بالولادة مصر التي استضافته والتي هي محطة تعذيب؟ عقلي وقلبي غاضبان لأن دولتي مصر تنفذ عملا قذرا بالنيابة عن أميركا.
وأغبط قلبي حديثه عن حقوق المرأة، غير أن عقلي تساءل: هل كان من الضروري أن يشير إلى غطاء الرأس كلما تحدث عن النساء المسلمات؟ ألم يتحدث لبضع دقائق ضد التنميط؟ فلماذا إذن يركز على صورة نمطية مشتركة لدى المسلمين وغير المسلمين؟
صحيح أن التعليم وقروض تأسيس مشاريع صغيرة والمشاركة السياسية أمور هامة لقلب وعقل هذه المرأة المسلمة، لكني تمنيت لو طمأن أوباما نساء وفتيات أفغانستان بأن حقوقهن لن تهدر من أجل وقف لإطلاق نار أو هدنة مع طالبان أو جماعات متطرفة أخرى، فعلى مدى شهور عديدة تحثه ناشطات حقوق المرأة في أفغانستان أن يتعهد بذلك، ولو أنه ذكر ذلك لكان نصراً لأولئك الأفغانيات الشجاعات.
الديمقراطية تهم كلا من القلب والعقل إلى حد كبير، فالعديد من المسلمين مستاؤون من الولايات المتحدة لأنها تدعم الأنظمة الدكتاتورية في العديد من البلدان التي غالبية سكانها من المسلمين مثل مصر التي ألقى منها خطابه، والعربية السعودية التي بدأ منها زيارته للشرق الأوسط، وأي مثال توضيحي أفضل من غياب الرئيس المصري حسني مبارك عن الخطاب وحضور نجله جمال بدلاً عنه والذي تشير الشائعات إلى أنه خلف والده في الحكم في نظام جمهوري!
لقد أدخل أوباما الغبطة إلى قلبي بحديثه عن أهمية سيادة القانون وحرية التعبير إلخ... غير أن عقلي أراده أن يكون بنفس الصرامة في إدانة استبداد مضيفيه حين تناول تلك الموضوعات الساخنة التي تعكر العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية والمسلمين.
من الواضح أن أوباما سيُبقي الخلاف بين العقل والقلب.