تواري «الانتفاضة الخضراء» والمأزق المتعاظم لـ «المحافظين»
طارق الكحلاوي
2009-06-28
استخدم وزير الخارجية الأميركي الأسبق كولن باول في سياق اعتراضه على خطة الحرب على العراق مثلاً شائعاً يقول: «تكسرها، تملكها» (you break it. you own it)؛ إذ إن التورط في العراق من خلال إعلان الحرب كان سينتهي حتما بتحمل مسؤولية الأوضاع فيه ومن ثَمَّ حتى في حالة تحقيق تفوق عسكري أوليّ يبقى الأهم كيفية الحفاظ عليه. يلخص هذا المثل حالة مختلفة طبعا في الشكل لكنها مشابهة في سياق أي صراع، وحتى نكون أقرب للقاموس «الثوري» الإيراني، بين «المستكبرين» و «المستضعفين» مثل حالة الصراع بين «المحافظين» الممسكين (رسميا) بأغلب السلطات المنتخبة وغير المنتخبة في إيران إزاء تحالف «الإصلاحيين» و «البراغماتيين» الذين قادوا الاحتجاجات الأخيرة في إيران. كسر الخصم لا يعني نهاية المتاعب، ذلك ما يجب أن يعرفه «المرشد الأعلى» آية الله خامنئي.
بدءاً، لم يعد من المهم أن يتم حسم مشكل «تزوير الانتخابات» في إيران. إذ تواصل خلال هذا الأسبوع الجدال وصدرت كل المؤشرات الممكنة على حدوث «التزوير» وعلى عدم حصوله في الوقت ذاته، بين تقرير المركز البحثي البريطاني «بيت شاثام» (Chatham House) (21 يونيو) الداعم (حسب تقديرات «منطقية») لفكرة التزوير، إلى المعطيات التي تم تداولها حول أن وزارة الداخلية الإيرانية قامت بعمل «غير مسبوق» في سياق تأكيد «شفافية الانتخابات» وهو نشر كل المعطيات المخزنة على الكمبيوتر الخاص بالانتخابات («بوليتيكو» 24 يونيو). المشكل الحقيقي هو فقدان قنوات التسوية السياسية والثقة بين الطرفين المتصارعين؛ إذ التنادي بالتزوير من جهة والاحتجاج العارم عليه من دون أدلة قاطعة مقابل دفع المحتجين إلى خانة «الخارجين عن النظام» و «العمالة للغرب» يعني أن صراعا يشق فئات اجتماعية وسياسية واسعة تعايشت طويلا في إطار النظام انفلت فجأة من عقال المؤسساتية والكواليس التقليدية. وأنه بمعزل عن اتجاهات الناخبين غير النشطين سياسيا فإن حركة الشارع السياسي خاصة الاحتجاجي مختلفة، إذ حتى أقلية (بالنسبة المئوية الانتخابية) مثابِرة يمكن أن تحدث صداعا لا يُحتمل.
في كل الأحوال وعلى الأرجح «كسر» خامنئي شوكة الاحتجاجات. وبشكل عام تشير معظم المؤشرات خلال الأسبوع المنصرم إلى أن «الانتفاضة الخضراء» قد توارت وبدت في حكم المنتهية. منذ يوم السبت أصبحت الاشتباكات بين المحتجين و «قوى الأمن» المختلفة أكثر عنفا، وأصبح عدد القتلى بما في ذلك من «الباسيج» أكثر وأصبحت معرفة الأعداد أقل احتمالا. انتقل الوضع من احتجاجات عفوية عارمة إزاء سلطة مضطربة وتحت تغطية إعلامية كثيفة على شبكة الإنترنت إلى وضع أقل انسيابية بكثير. منذ تلك اللحظة، أيضا، بدأت أعداد المحتجين تتناقص. انتقل الوضع من مرحلة التجمعات والمسيرات الكبرى التي تشق طهران بعشرات الألوف من المحتجين إلى تجمعات متفرقة أقل عددا بكثير حتى حسب التقديرات المتعاطفة على شبكة «تويتر». بحلول يوم الخميس الماضي كان التجمع الأبرز لا يزيد على 1500 شخص لا غير «حداداً على الضحايا». المؤشرات الضعيفة أصلا على بداية «إضراب عام» بداية الأسبوع تبين أنها غير دقيقة بشهادة المراسلين الأجانب قبل المحليين. القطيعة بين المحتجين وقيادتهم المفترضة عمَّقت مأزق الاحتجاجات؛ إذ لم يشارك موسوي في أي احتجاجات منذ أكثر من أسبوع واكتفى بإرسال بيانات عبر مواقع إلكترونية تم حجب معظمها «الانتفاضة الخضراء» أضحت بلا قيادة واضحة شكلا ومضمونا مقابل مركز السلطة «المحافظ» الذي استعاد تنظيمه وانضباطه بعد دهشة الأيام الأولى من الاحتجاجات. كانت خطبة الجمعة الماضية من قِبَل «المرشد» والتي حددت بوضوح موقعه في الصراع إلى جنب «المحافظين» وبالتالي استنفاد مصدر وجوده كحكم متعالٍ على فصائل النظام لحظة استقطاب شديدة. منذ تلك اللحظة لم يصبح هدف الاحتجاجات التي كان أحد شعاراتها الرئيسة «ليسقط الدكتاتور» الرئيس أحمدي نجاد وحده بل بالضرورة «المرشد» نفسه أو في أقل الأحوال مجال سلطته في التوازن المعقد للسلطات الناظمة للحكم في إيران. منذ تلك اللحظة كان يجب أن يبدو واضحا للمحتجين أنهم في خندق وأعلى سلطة تنفيذية في البلاد في الخندق المقابل. منذ تلك اللحظة أصبح «المرشد» في خندق والمرشح مير حسين موسوي في الخندق المقابل، خاصة مع إصداره بيانه الخامس يوم السبت متحديا فيه خامنئي بوضوح؛ إذ توجه إليه بالقول، مسترجعاً الروحية الاستشهادية الحسينية التي صقلت قاطرة الثورة ذاتها: «إنا لله وإنا إليه راجعون».
منذ خطبة «المرشد» بقي موسوي وحيداً على رأس الحربة السياسية للاحتجاجات يتلقى عوناً محتشماً من كروبي ودعما دينيا محاصرا من قبل «المرشد» المقال/ المعزول آية الله منتظري. توارى الرئيس الأسبق محمد خاتمي عن الأنظار وبرز خاتمي آخر (أحمد خاتمي، عضو «محافظ» في «مجلس الخبراء») ليهدد في خطبة الجمعة الأخيرة بشكل علني بالتعامل من «دون رحمة» مع قادة التحركات بل حتى «إعدام بعضهم». وسط تكهنات لم تنتهِ أصبحت تحركات هاشمي رفسنجاني مركز الثقل (المقابل لـ «المرشد») المعول عليه من قِبَل «الإصلاحيين» بمثابة الأحجية. التقارير التي تناقلتها بعض المواقع الإيرانية (موقع «روية» مثلاً) في نهاية الأسبوع الفارط مباشرة بعد خطبة «المرشد» حول زيارة رفسنجاني لمدينة قم ومحاولته استقطاب مرجعيات شيعية كبرى وحتى الحديث عن استحداث «مجلس قيادة» يستبدل دور «المرشد» تبدو الآن أقرب للشائعة. لم يعد من الممكن الآن نفي أو تكذيب أي دور لرفسنجاني هذا إذا لم يصدر بيان يدعم موقف خامنئي مستدلا بوعيه الذرائعي المعهود. في حوار مع موقع «دوتشي فيله» الألماني (22 يونيو) أشار رجل الدين الإيراني أحمد قابل، الهارب من الحوزة إلى طاجكستان، إلى أن أي أخبار حول ذهاب رفسنجاني إلى قم للانقلاب على «المرشد» لا تتماشى مع أسلوب الرئيس الأسبق ولا تتماشى مع طريقة رجال الحوزة في تصريف شؤون انخراطهم في الحكم والتي تتجه دائما للحذر الشديد في الاتفاق أو الخلاف.
الآن يمكن أن نفهم ما جرى كما يلي: بعد حالة الاضطراب الأولية وفي الوقت الذي كان فيه المطلب السياسي الأقصى للتحالف القائم بالاحتجاجات هو «إعادة الانتخابات» لا غير والضغط على أو استجداء المؤسسات القائمة بما في ذلك «المرشد» نفسه لتحقيق ذلك، قرر تحالف «المحافظين» المصطف بصلابة وراء خامنئي أن يذهب قدماً في تشريع نتائج الانتخابات ومن ثَمَّ فرض معركة وأجندة جديدة على التحالف المحتج، إما القبول بالنتائج وإما تصنيفهم بما لا يحتملونه، أي أنهم أصبحوا خارج النظام. تم كسر شوكة الاحتجاجات بكسر أجندتها وفرض أجندة جديدة للمعركة السياسية. أصبح التحالف المحتجّ مستحيلا؛ لأنه كان منذ البداية تحالفا في إطار النظام وليس ضده. حتى شعاراتياً، ومثلما أشار موسوي مكرراً في بياناته، كانت شعارات «الانتفاضة الخضراء» هي ذاتها شعارات «الثورة الإسلامية» وعلى رأسها التكبير. لكن الورقة التي لعبها «المحافظون» وعلى رأسهم «المرشد» تعكس رغبة في المخاطرة. دفع «السلام الإيراني» إلى الحافة القصوى مغامرة ربما حققت هدفها الآن إلا أن الثمن هو مزيد من اهتراء شرعية النظام ذاته.
أخيراً ليس دقيقا تصوير أسباب الصراع في إيران في سياق صراع بين «فقراء» و «أثرياء» أو «نظاف» ضد «فاسدين» ليس لأن المظاهرات العارمة مست جميع الشرائح الاجتماعية فحسب (من المغالطة الترويج أن جغرافية الاحتجاج كانت متركزة في طهران «المرفهة») أو لأن «الفقراء» يصوتون لأحمدي نجاد فقط (نعرف بشكل مؤكد أن في الانتخابات الماضية صوتت الأرياف الفقيرة في الدورتين ضد أحمدي نجاد) بل الأهم لأن «الفساد» ليس ميزة بعض «الإصلاحيين» من دون كل «المحافظين» وأن أحمدي نجاد مع الهالة المعادية للفساد التي ترافقه لم يقم بحرب على «الفساد» طيلة عهدته الرئاسية؛ إذ إن ذلك كان سيقوض التحالف «المحافظ» الذي أوصله للسلطة. الصراع في إيران ليس أيضاً حول مضامين «الأمن القومي الإيراني» مثلما أرستها «الجمهورية الإسلامية» والتي تضعها في صراع مع الغرب، خاصة «الملف النووي» و «النفوذ الإيراني» في المنطقة بما في ذلك عبر سياسة دعم «قوى الامتناع» العربية (ليست هناك أدلة جدية بأن موسوي يرغب في تغيير هذه السياسة، هذا إذا كان ذلك ممكنا أصلا، كما أن هذا التوجه لم يُمسّ في عهد الرئيس خاتمي). الصراع في إيران هو حول التوازن بين مؤسسات منتخبة وأخرى غير منتخبة. هو صراع حول إعادة تأسيس النظام بقواعد سياسية جديدة وأشكال خطابية جديدة.