2009-08-04
كان اللقاء الذي جمعني بامرأتين باهرتين في كوالالمبور بمثابة هدية لعيد ميلادي الـ 42، حيث التقينا في العاصمة الماليزية في الاجتماع الثاني لتجمع «مبادرة النساء المسلمات في الجوانب الروحية والمساواة»، وهو برنامج يهدف إلى تحسين مكانة النساء المسلمات في أرجاء العالم.
ويمكنني التندر والقول إن كوالالمبور تتحول إلى عاصمة للحركة النسائية المسلمة- ففي فبراير حضرت فيها تأسيس حركة «مساواة»، وهي حركة عالمية من أجل العدل والمساواة داخل العائلات المسلمة- ولكن صديقاتي الماليزيات يؤكدن لي أن في جعبة كوالالمبور المزيد لتقدمه.
ومع ذلك فإنه الأمر رائع بالنسبة لي كمسلمة مصرية أن أرى الإسلام في بلاد غير عربية، فالمسلمون العرب هم على أية حال أقلية نسبةً لمسلمي العالم، الذين يبلغ مجموعهم ملياراً وثلاثمائة مليون مسلم. وبالنسبة لنا نحن مسلمي الشرق الأوسط، فقد اعتدنا على ثلاثية المنطقة الدينية المتمثلة في اليهودية والمسيحية والإسلام. أما في ماليزيا، فإن الإسلام يتعايش مع الدين الهندوسي والبوذي، ضمن سياقات تأثيرات ومشاكل مختلفة.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن المؤتمرين اللذين شاركت فيهما هناك تناولا التنوع بين المسلمين، حيث شاركت في كل منهما أكثر من 200 امرأة من مختلف أرجاء العالم، سواء من الدول ذات الأغلبية المسلمة والدول ذات الأقلية المسلمة.
وبطلتاي الجديدتان ليستا من العرب، فالأولى هي سيران أتيس، 46 عاماً، محامية وناشطة في مجال حقوق المرأة، ولدت في اسطنبول، وعاشت في ألمانيا منذ أن هاجرت أسرتها إلى هناك حين كان عمرها 6 أعوام. وعندما أصبح عمرها 17 عاما هربت أتيس من منزل أسرتها في برلين، لأنها أرادت التحرر من القيود الدينية، والتجأت إلى منزل خاص بالنساء المعنَّفات.
ونجت أتيس بأعجوبة من الموت مرتين لدفاعها عن حقوق النساء، ففي المرة الأولى حين كان عمرها 21 عاماً وتعيش في مركز خاص بالنساء، اقتحم شبان من أصل تركي المبنى وأطلقوا نيران أسلحتهم فأصيبت أتيس في الحنجرة وكانت تنزف حتى الموت، بينما قتلت المرأة التي كانت إلى جانبها. وقبل سنتين وبينما كانت تروم دخول محكمة في برلين بصحبة زبونة تريد الطلاق هاجم الزوج المشتكى عليه كلتيهما.
دفعها ذلك الهجوم وكذلك تهديدها بإيذاء ابنتها الرضيعة -التي لا تخفي أتيس حقيقة كونها طفلة لأب لم تكن أتيس قد تزوجته- إلى ترك مهنة المحاماة.
وإذا كانت قد اضطرت إلى ترك ممارسة مهنتها فإنها تواصل النضال من أجل النساء بطرق أخرى، فقد قامت بتأليف عدة كتب تهاجم فيها المنظمات الإسلامية السياسية لكرهها النساء، وأدانت الجناح السياسي اليميني في أوروبا لكرهه النساء، والجناح اليساري الأوروبي لصمته إزاء انتهاك حقوق النساء المسلمات. ويحمل آخر كتاب لها باللغة الألمانية عنوان: «الإسلام بحاجة إلى ثورة جنسية»، وأنا على أحر من الجمر في انتظار قراءة ترجمة إنجليزية له.
أما البطلة الثانية التي التقيت بها في تجمع «مبادرة النساء المسلمات في الجوانب الروحية والمساواة» فلم يسبق أن سمعت بها مع الأسف قبل ذلك، وكل ما يمكنني البوح به هو أنها إيرانية، لأن أي معلومات إضافية يمكن أن تلحق الأذى بها. إنها لا تخاف وليست بحاجة إلى حمايتي غير أني لا يمكن أن أسامح نفسي إن ألحقت بها أي أذى عندما تعود إلى بلادها من خلال معلومات أطرحها هنا، خاصة أن إيران تمر بتطورات سياسية هي الأكثر إثارة منذ ثورتها عام 1979، وبطلتي تعيش حياة تعكس تقلبات الحياة في العقود الثلاثة الأخيرة هناك، فقد كانت مؤيدة للثورة حين كانت مراهقة، ولكونها امرأة محافظة اختارت ارتداء غطاء الرأس، وساندت السمات الإسلامية للثورة، التي أبعدت الأطراف الأخرى ذات الموقف الموحد ضد الشاه. ولكن خلال عقد من السنين أصبحت غير منسجمة مع المسار الذي اختارته إيران، فانضمت إلى الحركة النسوية في بلدها. أنا أيضا كنت مراهقة محافظة، ووجدت الكثير من المتعة في مناقشة سلوكنا المتماثل في ابتعادنا عن التفسير التقليدي المحافظ للإسلام.
ومثلما أصغيت بمزيج من الانبهار والرعب لأتيس وهي تعيد سرد نجاتها من محاولتين لقتلها، فقد انبهرت بنفس القدر أيضا وشعرت بالأسى لقصة بطلتي الإيرانية، وهي تستذكر سجنها بسبب نشاطها، فقد وصفت السجن الانفرادي بأنه قاسٍ كالموت، وقالت إن الشيء الوحيد الذي ساعدها على التحمل هو الجانب الروحي. وهي تثابر على ممارسة أنشطتها بشكل سري من منزلها -لأن مكتب منظمتها قد تم إغلاقه- بتكوين مجال نشاط على مواقع الإنترنت حيث لا يتاح لها ولغيرها من الناشطات مجال في «الميدان الواقعي للحياة»، فقد أخبرتنا في تجمع «مبادرة النساء المسلمات في الجوانب الروحية والمساواة «بأن» الميدان الافتراضي عبر الإنترنت في غاية الأهمية بالنسبة لنا، لأنه ليس بوسعنا الوصول إلى الناس عبر وسائل الإعلام»، إنه لمن المستحيل أن نتمكن من وصف التأثير الكبير لنساء مثل أتيس وبطلتي الإيرانية علينا في تجمع «مبادرة النساء المسلمات في الجوانب الروحية والمساواة».
وتم إطلاق مبادرتين هامتين في تجمع «مبادرة النساء المسلمات في الجوانب الروحية والمساواة»: الأولى هي تأسيس «مجلس شورى النساء» والذي سيكون له في البداية دور استشاري، ولكنه يهدف أيضا إلى تثقيف النساء في المسائل الإسلامية. وأول حملة لمجلس الشورى هذا هي: «الجهاد ضد العنف» بشقيه: عنف المتشددين والعنف الأسري.
أما المبادرة الثانية فهي تأسيس «صندوق النساء المسلمات» الذي سيستثمر الأموال في مشاريع مبتكرة بهدف تحسين أوضاع النساء.
وبوجود نساء مثل أتيس وبطلتي الإيرانية، فإننا نمضي قدماً على المسار الصحيح.
• محاضرة في القضايا العربية والإسلامية بالولايات المتحدة