2009-09-30
كان يفترض بلبنى حسين أن تصمت، وتدفع غرامة، وتتقبل عشر جلدات لمخالفتها الحشمة بارتداء بنطالا علانية، خاصة أن هذا هو ما فعلته عشر نساء من بين 12 امرأة جرى اعتقالهن مع لبنى حسين في مقهى بمدينة الخرطوم بعد يوم واحد من محاكمة مغلقة أجراها واحد من القضاة. ثم إنه في عام 2008 وحده اعتقلت الشرطة 43000 امرأة في الخرطوم بسبب ارتداء ملابس غير محتشمة، فما الذي جعلها مختلفة إلى هذا الحد؟
إن المادة 152 من قانون العقوبات السوداني لعام 1991 تنص على العقوبة بـ40 جلدة كحد أقصى لمن يرتدي ملابس «غير محتشمة». ويبدو أن الأجنبيات سيئات الطالع هنّ من يقعن في متاهة الورع المرنة ذات الدوافع السياسية وتم إنقاذهن في الماضي. فلنتذكر المعلمة البريطانية جيليان جيبنز التي تم اتهامها بإهانة الإسلام عام 2007 بعد سماحها لطلبتها بإطلاق اسم محمد على دمية بهيئة دبّ في الصف فاعتبر ذلك إساءة لرسول الإسلام وتمت إدانتها والحكم عليها بالسجن لمدة 15 يوماً، ثم عفا عنها الرئيس السوداني عمر البشير بعد أن توسط مسلمون بريطانيون ممثلين بالبارونة وارسي واللورد أحمد لدى الخرطوم لإغلاق قضيتها.
لم يكن مطلوبا من أحد أن ينقذ لبنى حسين. بل بدلا من ذلك، شنت حملتها المثيرة المتحدية لإنقاذ نفسها. فاستقالت من منصبها بالمكتب الصحافي الخاص بالأمم المتحدة والذي كان يمكن أن يمنحها حصانة ضد التهمة والجلد. ولكونها صحافية تجيد كتابة السرد، أرسلت 500 دعوة لصحافيين وناشطين ليتابعوا تحديها تهمة مخالفة الحشمة في المحكمة.
منعها النظام السوداني من السفر إلى لبنان للمشاركة في ندوة تلفزيونية، ولكن مع دعم مجاميع المدونة «فيس بوك»، ونشر مدونة «تويتر» لأخبارها، وتضامن مدونات عدَّة معها، لم يكن للمنع أي تأثير. طلبت أن يتم إخبارها بالآية القرآنية أو الحديث النبوي الذي يقدم تعريفاً لحشمة الملابس. وواصلت لبنى حسين تحديها حتى النهاية فألغى القاضي عقوبة الجلد وعاقبها بغرامة 200 دولار أميركي، فرفضت دفع الغرامة وفضلت قضاء شهر من السجن بدلاً من ذلك تضامناً مع آلاف النساء من المسلمات وغير المسلمات اللاتي يستهدفهن النظام السوداني وفقاً لمفهومه الأجوف الخاص بالتقوى، كما طلبت من أسرتها وأصدقائها أيضا ألا يدفعوا تلك الغرامة.
وهنا اندحر النظام أخيراً، فقد كان بوسع شرطة النظام ضرب واعتقال مؤيديها خارج المحكمة، ولكن فكرة ما يمكن للبنى حسين أن تفعله في السجن ربما فكرة لا تحتمل، فقام رئيس نقابة الصحافيين بدفع الغرامة، وتم دفع لبنى حسين إلى خارج السجن؛ حيث أظهرت التقارير الإخبارية التلفزيونية انزعاجها من إطلاق سراحها، وقالت إنها لم تكن ترغب أن تترك وراءها 800 امرأة لا يجدن من يدفع غرامتهن.
ربما تشعر بالأسى على النظام السوداني في حيرته حول اختيار المكان الذي تكون فيه لبنى حسين أقل أذى، في السجن أو خارجه! ولهم أسبابهم في الخوف من عازفة معزوفة البنطال، فهي تدرك جيدا أهمية الرد والتحدي؛ لأن كثيرا من الأخريات لا يستطعن ذلك لفقرهن، أو ضعفهن من الناحية الاجتماعية أو المادية.
قالت سوسن حسن الشواية التي تعتبر واحدة من عشرات النساء اللاتي خرجن لتأييد لبنى حسين، وهي تتحدث إلى وكالة رويترز: «لقد أعطتنا لبنى فرصة فهي شجاعة جداً، فآلاف النساء تم ضربهن منذ عام 1990 لكن لبنى هي الأولى التي لم تلتزم الصمت».
كتبت لي صديقات حين علمن بأنني أكتب عن لبنى حسين ليسألنني عن رأيي في حقيقة الحكاية الكامنة وراء اعتقالها وقلن: نحن نرتدي البناطيل حين نزور الخرطوم من دون أن يعتقلنا أحد. وسألتني أخرى إن كانت تنشط سياسياً وأراد النظام معاقبتها، كيف يمكن أن يكون الأمر مسألة ارتداء بنطال؟
وعندما طرحت السؤال ذاته على لبنى بعد خروجها من السجن بأيام قلائل عما يكمن وراء حكاية حشمة الملابس، أوضحت لي برسالة إلكترونية: نعم هنالك نساء يرتدين البنطال في الخرطوم، ولكن طالما بقي قانون 1991 سارياً، فإنهن تحت رحمة مزاج ضابط الشرطة وربما أيضاً وضعه المادي؛ فبعض النساء يحاولن رشوة الشرطة لتجنب الاعتقال. يستخدم النظام ذلك القانون للفائدة السياسية فحين يريد إرضاء الجماعات الإسلامية يعتقل النساء. فإذا كانوا قد اعتقلوني لكوني صحافية فعلى أي أساس اعتقلوا 43.000 امرأة عام 2008؟ فالقانون يستهدف النساء فحسب؛ إذ لم يطرق سمعي يوما أن رجلاً تم اعتقاله لارتدائه ملابس تخالف الحشمة، إضافة إلى أن القانون لا يوضح معنى «مخالفة الحشمة» فالأمر متروك لتقديرات ضابط الشرطة.
يفسر هذا أهمية متابعة أخبار لبنى حسين، المرأة التي تفند مقولة إن نظام البشير يتبنى قضايا الإسلام. فهو على أية حال نفس النظام الذي يدعم «الجنجويد» في دارفور الذين تم اتهامهم بممارسة الاغتصاب على نطاق واسع. وفي مواجهة مثل هذا الرعب، يصبح اعتقال النساء بتهمة مخالفة الحشمة مسألة مخجلة أخرى حول مدى الفائدة السياسية المتحققة من استغلال أجساد النساء.
عازفة معزوفة البنطال في السودان تعرف ذلك.
قالت: «سنصرخ، وسأصرخ تضامنا مع النساء المظلومات في كل مكان. فقد آن الأوان لفضح هذه الأنظمة باستخدام أقلامنا وآلاتنا الخاصة بالتصوير، ودفعها للشعور بالخجل من نفسها».
وتعلمون جيداً أنها تعني ما تقول.
*محاضِرة حول القضايا العربية
والإسلامية بالولايات المتحدة