أمراضها وكيفية معرفة أعراضها
الغدة الدرقية.. وظيفة ضرورية لتناغم الجسم

إعداد - هشام حدانه :  تضطرب وظيفة الغدة الدرقية عند الإنسان أحياناً، فيصبح نشاطها إما متسارعاً أو على العكس كسولاً، وتكثر هذه الاضطرابات خصوصاً عند النساء أثناء الحمل والولادة وانقطاع الطمث ومن ثم بداية سن اليأس، وهناك بعض المؤشرات والأعراض يتعرف من خلالها الشخص على احتمال وقوع هذه المشكلة الصحية لديه.
فإذا كنت تشعر بعض هذه الأعراض والتي تتمثل في: التعب المستمر، والعصبية، وفرط النشاط، وتقلبات في الوزن، والاختلال في الوظائف التناسلية.. فقد يكون السبب في اختلال وظائف الغدة الدرقية، حيث إن الأعراض في البداية الأمر تكون عادية وبسيطة مما ينتج عنه في كثير من الحالات تشخيص متأخر وفي مرحلة متقدمة.
إذا يا ترى.. كيف تتعرف على أنك مصاب بهذا المرض؟ وما الفترات العمرية التي تكون فيها أكثر عرضةً لهذه الاضطرابات؟
الصحة والحياة تجيب عن أسئلتك.


* ما الغدة الدرقية؟

هي غدة صغيرة تقع في مقدمة الرقبة، وتحيط بالحنجرة والقصبة الهوائية ويلتصق بها زوجان من الغدد الجاردرقية المختصة بتنظيم الكالسيوم في الدم، كما يمر من خلف الغدة الدرقية عصبان مهمان جداً للتحكم في الأحبال الصوتية للحنجرة على الناحيتين، حيث تؤدي إصابة أحدهما في عملية استئصال إلى تغير شديد في الصوت، وإصابة العصبين معا تقود إلى عدم القدرة على التنفس، وفي هذه الحالة يجب تركيب أنبوبة في القصبة الهوائية.

مصنع للهرمونات

تعتبر الغدة الدرقية من الغدد الصمَّاء، أي أنها تفرز هرموناتها مباشرة إلى الدم بدون الحاجة إلى قناة.
وهى تتحكم في عمليات الأيض الحيوي لكل خلايا الجسم، بمعنى أنها تدخل في عمل كل خلية بالجسم الحي.
إن حجم الغدة الدرقية الطبيعي يكون بارتفاع 6 سم وبعرض 6 سم ووزنها لا يتعدى 30 غراما.
ومثل كل الغدد الصماء، فإن الغدة الدرقية تقوم بصنع نوعين من الهرمونات، وهما T4 (Tetraiodothyronine - Thyroxine) وT3 (Triiodothyronine)، حيث تمس فاعليتهما جميع خلايا الجسم.
تنتج الغدة الدرقية هرمون T4 بكميات كبيرة، حيث يتحول بدوره داخل الخلايا إلى Tr3 (أغلبيته يدخل إلى الدورة الدموية) وإلى T3 الهورمون الفاعل.
ومن أجل إنتاج ما يحتاجه الجسم من هذه الهرمونات، يقتضي الأمر دخول دور الغدة النخامية، وهي غدة صغيرة ملحقة بالمخ وتقع عند قاعدة الدماغ حيث تنتج هذه الأخيرة هرمونا منظما يؤثر بشكل مباشر على الغدة الدرقية، وهذا الهرمون اسمه TSH.
ودور هذا الهرمون تحفيز الغدة الدرقية، حينما ينخفض معدل الهرمونات الدرقية في الدم، وعلى العكس فحينما يزداد مستوى الهرمونات الدرقية T4 وT3 في الدم يتوقف عمل الغدة النخامية عن إنتاج الهرمون المنظم TSH.
وتلعب الهرمونات المعروفة باسم T3 وT4 دوراً رئيسياً في تنظيم وظائف مهمة وعديدة داخل أجسامنا، من بينها: استهلاك الطاقة، ودرجة حرارة الجسم، وإيقاع ضربات القلب، وتأثير على الجهاز العصبي، وتأثير على الجهاز الهضمي، والأعضاء التناسلية، وغيرها، كما تؤثر كذلك على القوة البدنية والذهنية، وعلى الجلد والشعر والأظفار.
ويتكون هذان الهرمونان من عنصر اليود الذي يحتويه غذاؤنا اليومي، وتختلف حاجة الجسم إلى عنصر اليود بحسب اختلاف العمر والحالات الخاصة، حيث إن الكمية اليومية تكون من 70 إلى 150 ميكروغرام للطفل الذي لا يتعدى 14 سنة من العمر، و150 ميكروغرام للبالغين، وأكثر من 200 ميكروغرام للمرأة في فترة الحمل والرضاعة الطبيعية.
ويبدو من كل هذه التأثيرات، أن الغدة الدرقية تلعب دوراً جوهرياً في تنظيم معظم وظائف جسمنا.

بعض الاضطرابات الأساسية للغدة الدرقية

● إن اضطراب الغدة الدرقية على جانب كبير من التنوع، حيث البعض يؤثر في إنتاجها للهرمونات، وهو ما يمكن الكشف عنه بإجراء تحاليل الدم.
● حينما تتكأسل الغدة الدرقية: وهي مرحلة ينقص فيها إنتاج الكمية الكافية لسد حاجة الجسم من الهرمونات الدرقية، ويقود هذا النقص إلى بطء عام في معظم وظائف الجسم، وهذا ما يطلق عليه اسم: خمول الغدة الدرقية (Hypothyrodism).
• حينما تفرط الغدة الدرقية (قليلة الانتشار نسبياً)، حيث تكثر الغدة من إنتاج الهرمونات, وهذا ما يسبب تسارعا في معظم وظائف الجسم وما يطلق عليه اسم: الدرقية المفرطة (Hyperthyrodism).

• متى يمكنك أن تشك في الغدة الدرقية؟

بعض أمراض الغدة الدرقية تتعلق بحجم وشكل هذه الغدة، وبالتالي فإن تشخيص الطبيب يكون عن طريق ملامسة الرقبة أو بتقنيات التصوير بالموجات فوق الصوتية، إذا لزم الأمر.
● زيادة حجم الغدة يسمى (Goitre)، حينما يتقدم الإنسان في السن قد تظهر بعض الحويصلات الدائرية على الغدة الدرقية.
● قد تجتمع أعراض مرض الغدة الدرقية أحياناً ومن غير أن ينطوي عليها ما هو خطير، ويتم التشخيص الأولي لاضطراب في الغدة الدرقية عن طريق ملامسة الرقبة من قبل مختص وبعدها بتحليل مستوى هرمون الغدة النخامية (TSH)، حيث إن اضطرابات الغدة الدرقية يمكن علاجه في أكثر من نصف تلك الحالات.

فحص روتيني في حديثي الولادة

إن عدم تطور الغدة الدرقية خلال المرحلة الجنينية أمر نادر الحدوث، حيث تمس ولادة واحدة من أصل 3500، ولفترة طويلة لم يكن تشخيص هذه الحالة الشاذة يتم إلا في وقت متأخر، والثلث فقط من الحالات كانت تشخيص قبل سن ثلاثة أشهر.
وتتمثل المخاطر التي يتعرض لها الطفل من جراء نقص هورمون الغدة الدرقية في: العجز الحركي والإعاقة والتخلف العقلي، والتقزم الخلقي، والتأخر في النمو العام للجسم. ولحسن الحظ فقد أصبح تشخيص هذا الخلل يعمل من اليوم الثالث من الولادة، حيث تأخذ عينة من كعب الوليد للتحليل وتعالج الحالة بسرعة، وهذا ما حسَّنَ فعلاً تشخيص هؤلاء الأطفال، بما يعود عليهم بالنمو الجسمي والعقلي.

فترة المراهقة: تحذير من نقص اليود

هذه الفترة مهمة للغاية لأنها مرحلة انتقالية إلى البلوغ، تحدث فيها تغيرات كثيرة في الجسم، ويكون للغدة الدرقية مسؤولية في هذه التغيرات، حيث يتغير حجمها لتتلاءم مع المرحلة القادمة من الحياة وخصوصاً النمو البدني وتطور الجهاز التناسلي.
وخلال فترة المراهقة يجب أخذ الحيطة ومراقبة عملية النمو البدني، وخلال فترة المراهقة، لا بد لنا من توخي الحذر والانتباه إلى النمو الجسمي، والتدهور في المزاج والشخصية، وتأخر سن البلوغ، والصعوبات المدرسية وفقدان التركيز وزيادة في حجم الغدة الدرقية الذي يمكن أن يحدث عند المراهقين، فقد يكون نقص اليود في الغذاء سبباً رئيسياً في هذه الاضطرابات.

مرحلة الحمل: الامتحان الصعب على الدرقية

إذا كان الحمل يعتبر اختبارا حقيقيا لجسم الأم، فهو بالخصوص لغدتها الدرقية، فخلال هذه الفترة، تتسارع وظيفتها أكثر من ذي قبل، خاصة من أجل توفير هرمونات الدرقية اللازمة للجنين من أجل نمو جهازه العصبي والنفسي والحركي.
ومن أجل مواكبة هذه السرعة في الإنتاج، فإن غدة المرأة الحامل تحتاج إلى كميات إضافية من عنصر اليود وهي ضرورية من أجل نمو طبيعي للجنين، قد يظهر لدى المرأة اضطراب للغدة الدرقية في العام الذي يلي ولادة الصغير، فخلال هذه المرحلة يجب أخد الحيطة وزيادة المراقبة، وكذلك في حالة صعوبة حدوث حمل، أو استمراره، فيمكن أن يكون بسبب مشاكل في الغدة الدرقية عند المرأة.

سن اليأس: مرحلة حرجة

توافق مرحلة سن اليأس عند المرأة مع الأعراض المتصلة مباشرة بانقطاع الهرمونات الجنسية، ومن بينها: التغيير في الطباع، وزيادة في الوزن، وجفاف المهبل، والأرق، والوهج من الحرارة، كل هذه الأعراض ليس لها علاقة بالغدة الدرقية التي تُتهم في أغلب الأحيان بأنها السبب في بعض المشاكل خلال هذه الفترة.
رغم هذا، فقد تعرف الغدة الدرقية اضطرابات في هذه المرحلة، فقد تصاب امرأة من بين 6 ما بين عمر 45 و60 سنة، وامرأة من بين 5 نساء خلال الفترة من 50 إلى 60 سنة سوف يتعرضن لاضطرابات درقية، وأساساً لنقص في الإفراز (Hypothyroidism).

شيخوخة الغدة الدرقية

وقد تدخل الغدة الدرقية سن الشيخوخة مثلها مثل جميع أعضاء الجسم، وحينها تكثر الاضطرابات مع التقدم في السن سواء عند المرأة أو الرجل، حيث إن نسبة الإصابة بنقص الإفرازات تبلغ بين %10 إلى %15 بعد الستين من العمر، ونسبة %1 إلى %3 حالة فرط إفرازات الغدة الدرقية.
ولكن هذه الأعراض قد تعد عادية خصوصاً مع التقدم في السن، حيث إنها تحسب على الشيخوخة في أغلب الأحيان.
فحوصات الغدة الدرقية
هناك العديد من الفحوصات المحددة يقوم بها الطبيب المختص لكشف وتشخيص أمراض الغدة الدرقية، من بينها: الملاحظة المباشرة، وملامسة الرقبة، وتحليل دم المصاب لمعرفة نسبة هرمون الغدة الدرقية فيه، وتقنيات التصوير الطبي، وغيرها..
وسواء أكانت أوراما حميدة، أم السرطان، أم اضطرابات بسيطة، فإن أمراض الغدة الدرقية شائعة، حيث إن نسبة ما لا يقل عن %10 من السكان قد تواجه نوعاً حميداً من مرض الغدة الدرقية (العقيدات، الإصابة بتضخم الغدة الدرقية، فرط أوتكاسل في نشاط الدرقية)، والاضطرابات عديدة ولكن نادرا ما يلاحظ أنها ترقى إلى السرطان، وفي الواقع، فإن سرطان الغدة الدرقية يمثل (%10 إلى %12 من أورام الغدة الدرقية) و%90 من حالات التشخيص الجيدة، فإنها لا تتمثل فيها سوى %2.1 من حالات السرطان.

كيف تفحص هذه الغدة الصغيرة؟

الفحص الأولي يكون عن طريق ملامسة هذه الغدة، ولدى الطبيب المختص القدرة على كشف الإصابة بالتضخم للغدة الدرقية (توسيع الغدة الدرقية) أو وجود العقيدات، بعدها تأتي تقنيات التصوير إما بالمسبار ذي الموجات فوق صوتية (echography) أو عن طريق تتبع عنصر مشع يحقن به المريض (scintigraphy).
يقوم الطبيب بتمرير مسبار الموجات فوق الصوتية على رقبة المريض، وتستخدم لرؤية الغدة، والعقيدات الدرقية (الخراجات) وحساب أبعادها.
وتأتي طريقة السانتيغرافي (scintigraphy) لتتبع كمية قليلة من عنصر اليود مشع أو عنصر تيكتونيوم بواسطة كاميرا، حيث يعرف إذا كان فص الغدة يفرز (عقيدات ساخنة) والتي تظهر باللون الغامق من غيرها (عقيدات باردة) والتي لا تفرز هرمونات الدرقية.
وأخيراً يأتي دور تحليل الدم من أجل معرفة نسبة الهرمونات (الدرقية T3 وT4، TSH، واختبار التحفيز الغدة بـ TRH) وهذه التحاليل توصف كلما يشك الطبيب في وجود خلل في عمل الغدة الدرقية وكذلك من أجل مراقبة فاعلية العلاج.
أخد عينة للبحث عن العقد السرطانية

ومن الواضح أن هذه التجارب تستخدم بشكل مختلف حسب الحاجة التشخيص. ففي حالة العقيدات تستخدم السانتيغرافي scintigraphy لاكتشاف العقيدات «الساخنة»، والتي تكون على الدوام تقريباً حميدة من العقيدات «الباردة»، ومن بين هذه العقيدات الباردة وعن طريق مسبار الموجات فوق الصوتية قد يكتشف الطبيب العقيدات السائلة «الخراجات»، والتي تكون حميدة دائما، وكذلك اكتشاف العقيدات والصلبة أو المختلطة، حيث إن نسبة واحد من كل عشرة تعتبر سرطانا.
ولكن، وقبل كل شيء، يجب أخذ عينة عن طريق إبرة رفيعة، حيث إن العملية قليلة الألم، وهو ما يمكننا من استخراج بضعة خلايا من أنسجة الغدة الدرقية لتحليل وتحديد -بقدر كبير من الدقة- عقد سرطانية، تحتاج إلى تدخل جراحي.
إن مراقبة أعراض هذ المرض والتعرف عليه في مراحله الأولى حيث يكون العلاج دائماً أخف وأسهل من الحالات المتقدمة، ودائماً نصيحة الصحة والحياة هي «الوقاية خير من العلاج».